هل جاءت الخطوة الحكومية بإبرام عقود حماية للمنشآت النفطية شرق البلاد متأخرة بعدما تم نهبها وتخريبها من قبل المسلحين؟ إذ تتوجّه الحكومة رسمياً لـ«خصخصة» حماية استثمار النفط، مقابل حصة من الإنتاج الذي يصل إلى أربعة مليارات دولار سنوياً، والذي تراجع إلى مستويات تهدّد بوقف المصافي عن الإنتاج واستفحال أزمة الطاقة أكثر.


انتاج النفط لم يعد حكراً على الدولة، إذ أصبح لبعض القرى والبلدات السورية «مصافيها الخاصة»، والإنتاج الرديء يخلط مع البنزين العراقي والسوري الحكومي، ويباع في أسواق حلب والمحافظات الشرقية، كما تجد عشرات الصهاريج طريقها بحماية المسلحين إلى تركيا، لتباع بأقل من ربع سعرها العالمي. كما يوقع الصراع على النفط بين عناصر ومتزعمي الميليشيات المسلحة وحوادث تكريره البدائية عشرات القتلى والمصابين أسبوعياً.
وبينما يؤكد الباحث عماد فوزي الشعيبي أنّ التنقيبات تحت مياه الساحل السوري أثبتت أن هناك احتياطياً كبيراً، قد يشكّل بديلاً واعداً لنفط شرق البلاد، فإن خروج نصف المنشآت النفطية في المناطق الداخلية من الخدمة نتيجة التخريب، أو سيطرة المسلحين، يزيد بلا شك من المصاعب التي تواجهها الحكومة في تأمين المشتقات النفطية في ظروف الحرب التي تشهدها سوريا منذ عامين.
منذ نهاية العام الماضي خرج نحو نصف آبار النفط في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من الإنتاج، في وقت تعرضت فيه للتخريب والنهب منشآت كثيرة، ويلزم إعادة تشغيلها نفقات باهظة. وقبل ذلك تمّ تخريب وتعطيل نقل المشتقات النفطية بالأنابيب بين المحافظات، وعبر السكك الحديد، ليمتد ذلك إلى اعتراض ونهب وحرق الصهاريج المتوجهة إلى المحافظات الشمالية الشرقية. لكن مصدراً مطلعاً أكد لـ«الأخبار» أنّ الآبار الكبرى تم قفل معظمها بإغلاقها من الأسفل، بما لا يتيح استخراج النفط منها، وأنّ السرقة تتم من نفط الأنابيب عبر التعديات بالثقب، والآبار الصغرى، التي تتصارع الميليشيات المسلحة للسيطرة عليها.
وإلى جانب ضحايا الاقتتال على النفط، سقط عشرات الضحايا نتيجة البدائية في العمل، والحرائق المتكررة والتلوث الرهيب الناتج من ذلك، حيث يجري التكرير في المنازل داخل القرى وبطرق بدائية لا تراعي أي شروط بيئية أو سلامة صناعية، حيث تحولت بلدة الشحيل إلى «مركز بورصة النفط السوري»، كما يعلق أهل دير الزور ساخرين من تحول مقاتلي الميليشيات من «صناعة الحرية» إلى «تجارة وصناعة النفط المسروق».
وآخر الحوادث الخطيرة كان حرق تسع آبار نفط، بعد خلاف بين المسلحين على استثمارها، حيث تمكنت «شركة الفرات الوطنية» من إخماد ست منها، في حين استمرت النيران مندلعة في ثلاث أخرى، ما تسبب باحتراق نحو 4700 برميل، وأكثر من 50 ألف متر مكعب من الغاز المرافق يومياً، وفق المصادر الرسمية.
من جهته، قال المهندس سليم اليوسف، المختص في مكافحة التلوث النفطي والذي عمل طويلاً في منشآت دير الزور، «لم أكن أتصور يوماً ما أن تؤول كل تلك الصناعة النفطية الراقية التي أقامتها شركتا الفرات ودير الزور للنفط إلى لصوص، وأن تتحول الأدوات الدقيقة لتلك الصناعة إلى خردة للبيع، وغنائم تدار بمنطق غنيمة الحرب البدوية كالجمال والأغنام». وأوضح أنّ «95 % من معدات الإنتاج والاستخراج أصبحت ملوثة بالإشعاع NORM، أيّ المواد المشعة التي تظهر طبيعياً خلال الإنتاج (Naturally Occuring Radioactive Material) وتكلفة إزالتها باهظة جداً»، مشيراً إلى «سقوط عشرات الضحايا خلال عمليات تكرير النفط البدائية»، ومتوقعاً «تلوث المكان إشعاعياً ونفطياً وكيميائياً لعشرات السنين».
والنفط السوري نوعان، خفيف وثقيل، الأول يستخرج من حقول دير الزور والبادية السورية، في حين يقتصر الثاني، الذي يشكل نحو نصف الإنتاج، على حقول أقصى شمال شرقي الحسكة، حيث حالت نوعيته دون تمكن الميليشيات من سرقة كميات كبيرة منه بثقب الأنابيب، أو تكريره كما هو الحال في دير الزور.
آلان سيمو، أحد الناطقين باسم حزب الاتحاد الديمقراطي الذي انتشرت مسلحوه في منطقة الرميلان نهاية العام الماضي وسيطروا على عدة منشآت نفطية فيها، اعتبر أنّ سيطرة حزبه على المنشآت النفطية في الرميلان لأجل «حمايتها وتوزيع الموارد بعدالة».
وتشكل الثروة النفطية عامل جذب للقوى المتصارعة في المنطقة لتحقيق استقلال مالي، حيث تسعى القوتان الأكثر تنظيماً، وهما حزب الاتحاد الديمقراطي و«جبهة النصرة» إلى خلق معادلة تمويل ذاتية، تتيح مزيداً من السيطرة والانتشار والحصول على السلاح.
وفي الصراع على النفط، لقيَ أحد قادة «جبهة النصرة»، قبل أيام، مصرعه بالقرب من قرية المسرب بدير الزور، إثر خلاف على شحنة نفطية مع مسلحين آخرين. كما سقط العشرات بين قتيل ومصاب في اشتباكات اندلعت حول شكوك بملكية صهريج نفط مسروق أصلاً. كما اتهم معارضون العقيد المنشق رياض الأسعد بأنه زار منطقة دير الزور للتفاوض على حصة من تجارة النفط غير الشرعية، وأنّ محاولة اغتياله، التي تسببت ببتر ساقه اليمنى، جاءت لهذا السبب.
الحكومة السورية خصّصت جلسة لبحث واقع الإنتاج النفطي ونقله، حيث أكد وزير النفط سليمان عباس أنّ اعتداءات المجموعات المسلحة أدت إلى «انخفاض الإنتاجية وتعطيل عمل مصافي التكرير، وصعوبة تلبية الاحتياجات التنموية والصناعية والخدمية والاجتماعية من مادة الغاز والمشتقات النفطية، وانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني والمصلحة العامة».
وأشار عباس إلى أنّ اجراءات الحماية التي اتخذتها الحكومة «لم تحقق الهدف المطلوب والغاية المرجوة، ما يستدعي إعادة النظر بهذه الآلية، واتخاذ إجراءات حماية تعد أكثر جدوى وفاعلية». وتقرّر استحداث هيئة حكومية عامة لحماية المنشآت النفطية وتشكيل لجنة موسعة لإعادة دراسة الصيغ العقدية بما يضمن حقوق الدولة.
وتبلغ عائدات النفط السورية نحو 4 مليارات دولار، حيث تقدر وزارة النفط قيمة الخسارة الناتجة من الاعتداءات والحصار الذي فرضته الدول الغربية والخليجية ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار، في حين قررت الحكومة قبل أيام إعفاء المستوردات النفطية، المازوت والفيول والغاز من إيران حصراً من الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم الأخرى لغاية نهاية شهر حزيران المقبل.