مخيم البارد | لا طرقات صالحة للسير في مخيم البارد. لذلك من الأفضل ركن السيارة جانباً والسير على الأقدام، رغم الشمس الحارقة في يوم كانت فيه رياح الربيع الخمسينية ناشطة بقوة. كل شيء أخضر في المناطق المجاورة، أما المخيم، فغبار طرقاته يملأ كل مكان، حتى يظن الواحد نفسه وسط صحراء قاحلة، تغطي العواصف الرملية كل شيء فيها.

يومان آخران وينقلب المشهد إثر تساقط كميات كبيرة من المطر. مرة أخرى، يلفت النظر مشهدان مختلفان بين المخيم وجواره. فرغم أن جوار المخيم لجهتي المنية وعكار لا يتمتع ببنية تحتية عظيمة، إلا أن دفء الربيع ساهم في عودة الطرقات هناك إلى وضعها الطبيعي لحد ما، بينما دروب المخيم استحالت مستنقعات، تكاد تصلح لعبور القوارب بدل السيارات أو المشاة.
«المخيم فالت وكل يغني على ليلاه». يقول الناس بيأس حين تسألهم عن السبب. أحدهم يقيم في براكسات الحديد، يشير إلى مصبّع معدني فوق ساقية، كسرت ثلاثة أضلاع منه، ما أدى إلى تعثر أكثر من شخص سقطوا فيه ذات ليلة معتمة. مرت أشهر عدة والمصبّع على حاله. خلف البراكسات مولد كهربائي يمد بالتيار ثلاثمئة منزل، لكنه يتعطل «ليلة إيه ليلة إيه».
بعض العائلات غادرت البراكسات بعد أن تسلمت منازلها، فأصبح قسم منها شاغراً. وعليه فقد سحبت الأونروا التمديدات الصحية والتوصيلات الكهربائية والمنجور من المساكن الشاغرة التي جاءت بعدها عائلات فلسطينية نازحة من سوريا لتقيم فيها كما هي «على التساهيل». لدى سؤال أحد المارة عن رأيه بدور اللجان الشعبية في إدارة شؤون المخيم، يقول إنها أعمدة المخيم، ثم يفسر ساخرا «أعمدة جمع عمود، والعمود هو الخازوق»، ويضيف «بعض مسؤولي اللجان لقبض المعاشات، وآخرون مشغولون بأعمالهم الخاصة، والباقون أميون لا يعرفون شرقهم من غربهم» أما الناس فـ «إلها ألله». يكاد لا يمر يوم دون عراك هنا ومشكلة هناك. الأربعاء الماضي حدث اشتباك بالأيدي على الشارع العام بين صبية صغار، تطور الأمر إلى حد استخدام السكاكين، سقط أربعة جرحى، وبقيت المشكلة من دون معالجة. مع العلم أن الحادثة هي ردة فعل على حادثة سابقة، عندما لاحقت مجموعة من الأولاد أحدهم، فظل يركض حتى وصل إلى دكان، واختبأ خلف صاحبه، ولما همّ الأخير بحماية الولد، تلقى سكيناً «فتحت بطنه».
الضائقة المعيشية، فقدان فرص العمل، وانعدام الأمل بعودة المخيم إلى سابق عهده أمور «اعتادها» سكان المخيم. لكن ذلك الواقع بدأ يفرز حالات مخيفة، وقد أضيف إليها لاحقاً همّ النزوح الفلسطيني من سوريا، حيث تجاوز العدد 650عائلة بحسب آخر إحصائية لدى الأنروا منذ أسبوعين، ليصبح زهاء 720 عائلة بحسب عضو اللجنة الشعبية جمال أبو علي، أي ما يعادل خمس سكان المخيم تقريباً، والعدد مرشح للازدياد، والأزمات الناشئة عنه في ظل تراجع خدمات الأونروا من ناحية، وانشغال المؤسسات والجمعيات الإغاثية بالنازحين السوريين غير الفلسطينيين، تطرح احتمالات خطيرة أخرى، لا سيما أن البيئة المحيطة بالمخيم تغلي على نار الأحداث السورية، وأن جسم المخيم «لبيس» لاتهامات التورط بشبهة فتح الإسلام وأخواتها.
من رحم ذلك الإحباط، وخوفاً من الأسوأ، استأنف ما أطلق عليه «الحراك الشعبي لأجل التغيير» نشاطه، وهو حراك انطلق منذ أشهر لتخفيف التدابير الأمنية على مداخل المخيم، واستطاع إلغاء التصاريح لدخول الفلسطينيين إلى المخيم، وتحسينات أخرى أشرف عليها مستشار رئيس الحكومة المستقيلة خلدون الشريف بصفته مسؤول لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني. وكان الحراك الشبابي في الموقع الوسط بين الحفاظ على الفصائل الفلسطينية بوصفها مرجعية المخيم شرط تفعيلها، ودرء انفلات الشارع ضد الجيش اللبناني بتحريض من جهات مشبوهة. وفي حينه، كان الحراك بصدد التحضير لخطوات واعدة أخرى، لكنه ما لبث أن تعثر. وفي الأثناء أطلت مجموعة برأسها على صفحات التواصل الاجتماعي بعنوان «مشاغبون»، ليتبين أنها تهدف إلى التحريض الإيجابي على إعادة انطلاق الحراك الشبابي، ليس بغرض قلب الطاولة على اللجان الشعبية، كما يقول أحد أبرز ناشطي الحراك ميلاد سلامة، إنما من أجل تطويرها ورفدها بوجوه تمثيلية، وبكفاءات من أهل الاختصاص في قطاعات المعلمين والمهندسين والأطباء. لا ينفي الطبيب توفيق أسعد مدير مركز الشفاء في المخيم ضعف أداء اللجان الشعبية، ويعتبر بالتالي أن الحراك الشبابي «لم يأت من فراغ»، ويقر بوجود «بعض التقصير تجاه شباب المخيم». كما «يشجع جداً» على أخذ الأطباء دورهم في أعمال اللجان الشعبية، خصوصاً أن عددهم في مخيمي البارد والبداوي يبلغ سبعين طبيباً. ويرى الأمر كذلك بالنسبة إلى المهندسين والمحامين وسواهم من نخب المخيم.
أما عضو اللجنة الشعبية جمال أبو علي، فيبرر ضعف اللجنة الشعبية بكون «المطالب كثيرة، والإمكانات ضعيفة جداً». فالمجتمع في المخيم منكوب، والنمو السكاني السريع يقابله بطء شديد في إعادة الإعمار، حيث أصبحت مشاكل المخيم بعد ست سنوات على تدميره أكبر مما كانت عليه سابقاً بعشر مرات. ومع ذلك يشير إلى أن لجاناً قطاعية بدأت تتشكل في الأحياء، من أجل تطعيم اللجنة الشعبية المنبثقة عن فصائل المخيم، بلجان منتخبة، تتولى مهام العمل الإنمائي والاجتماعي، وقد تمّ انتخاب لجان في ثلاثة أحياء (القطاعات A, B, C)، ويجري التحضير لانتخاب لجنتين في القطاعين E و D.




تتألف اللجنة الشعبية في مخيم البارد من مندوبين عن فصائل المخيم، البالغ عددهم ستة عشر فصيلاً، وينقسمون بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل تحالف القوى الفلسطينية. يضاف إليهم ثلاثة مندوبين عن لجان الأحياء، ومندوبتان عن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومندوب عن أئمة المساجد. يتولى منصب أمين سر اللجنة الشعبية ونائب أمين السر مندوب عن أحد فصائل المنظمة وعن أحد فصائل التحالف لمدة شهر وبشكل دوري. وهذا ما يعتبر من أسباب ضعف اللجنة الشعبية، وخصوصاً عندما يكون أمين السر مندوباً عن فصيل ليس له أي تمثيل شعبي في المخيم.