الزمان 7 نيسان. المكان القارات الخمس. الهدف محو إسرائيل من الوجود... الإلكتروني. حدد المهاجمون 7 نيسان لبدء معركتهم، لأنه التاريخ الذي تحيي فيه دولة الاحتلال ذكرى المحرقة. ذكرى اعتبرتها مجموعة «انونيموس» المهاجمة فكرة «ابتدعتموها (الإسرائيليون) وأولياؤكم وجعلتم العالم يؤمن بالمحرقة اليهودية». أول من أمس، عاشت إسرائيل أكبر حرب إلكترونية، يمكن أن تشن ضدها. هذه المرة لم تكن إسرائيل هي المبادرة للهجوم. تلقت الصفعات الواحدة تلو الأخرى.


لا بل يمكن القول إنها المرة الأولى التي تكون فيها دولة الاحتلال في موقع الدفاع. تفوقها الجوي والعسكري، الذي لطالما أرعبت العرب به، لم يفدها في معركتها الحالية. كما لم تنفعها صواريخها وطائرات استطلاعها في تحديد واستهداف المهاجمين. الحرب اليوم تدار من خلف شاشات الكومبيوتر وبإمكان أي كان المشاركة فيها. وتدليلاً على ذلك، نشرت المواقع الاجتماعية صورة لطفل أندونيسي لا يتجاوز عمره 9 سنوات على أساس أنه يشارك في الحملة. التهديد، الذي نفذته مجموعة «انونيموس» أمس، كانت قد أطلقته قبل أشهر. هكذا، انتظر خبراء الكيان الصهيوني بدء الحملة، متوقعين أن يقرصن المهاجمون مئة موقع على الأكثر. لكن، عصر السبت، وقبل ساعة الصفر بست ساعات، بدأ الهجوم على المواقع الإسرائيلية. وخلال 45 دقيقة، سقط 350 موقعاً، أبرزها للبورصة ووزارة الدفاع. ما جرى قبل ساعة الصفر كان للإحماء. مساء السبت، اشتدت المعركة الإلكترونية أكثر. في تمام الساعة 11.45 ليلاً، وجهت المجموعة إنذارها الأخير الى دولة الاحتلال: «بعد هذه الرسالة سنقوم بإزالة الكيان الصهيوني إزالة ممنهجة من شبكة الإنترنت». دقت ساعة الحقيقة وانطلقت OpIsrael. وحّدت «انونيموس» هجومها. أبرز المهاجمين كانوا من غزة، الضفة الغربية، المغرب، الجزائر، لبنان، تركيا، أندونيسيا، ألبانيا، كوسوفو والأرجنتين. هؤلاء استطاعوا اختراق حساب النائب السابق لرئيس الحكومة الإسرئيلية، سيلفان شالوم. غيّروا صورته ووضعوا مكانها صورة الأسير سامر العيساوي المضرب عن الطعام منذ 260 يوماً.
تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي ما يجري في ظل غياب تغطية الفضائيات العربية. لا يهمّ. المعركة إلكترونية وساحتها الإنترنت، لذلك تحوّل كل مناصر للقضية الفلسطينية الى مراسل لما يجري. فصائل المقاومة الفلسطينية شاركت هي الأخرى في المعركة. انضمت «كتائب القسام» الإلكترونية الى المعركة، سرايا القدس بدورها كانت حاضرة. مناصرون لحزب الله شاركوا أيضاً. أحيوا الشهيد عماد مغنية ونشروا صوره على المواقع المخترقة. «تذكروا» كتبوا تحت صورته. بالطبع يجب على الإسرائيلي أن يتذكر الشهيد، فهناك حساب لم يغلق مع العدو بعد.
أعادت العملية «سيدة الأرض» الى الواجهة مجدداً، الى مكانها الطبيعي، الى حيث يجب أن تكون. كما ذكّرت المعركة الناسين والمتناسين بأن العدو الحقيقي هو الصهيونية. على مواقع التواصل الاجتماعي وحّدت Opisrael الجميع. فلسطين توحّد ولا تفرّق. إسلاميون، شيوعيون، ملحدون، ليبراليون، معارضون، موالون، الجميع كانوا «فلسطينيين من غير سوء». بالطبع لم تكتف إسرائيل بالمراقبة فقط. إذ تمت فجر الأحد قرصنة موقع opisrael ووضع عليه النشيد الوطني الإسرائيلي الهاتيكفاه «الأمل». راقب العالم الحرب الصامتة التي دارت في العالم الافتراضي. حرب لا يسمع فيها دويّ الصواريخ ولا ترى فيها جثث ممدّدة. هنا الحرب تخوضها الأدمغة. وبما أنه يسقط في الحروب ضحايا من دون تمييز، فقد قرصنت المجموعة موقع جريدة الرياض، وأغلقته لعشر دقائق لنشر الصحيفة مقالاً بعنوان «إسرائيل تواجه خطراً «إرهابياً» جديداً... الهاكرز». ببساطة هؤلاء ليسوا إرهابيين، بل طلاب حرية وحق للأسرى وللشعب المظلوم في فلسطين.
تطل شمس الأحد، السابع من نيسان، على خبر اعتقالات قامت بها قوات الاحتلال في مدينة الخليل لهاكرز فلسطينيين. الشرطة الأردنية والمغربية، بدورها، قبضت على بعضهم. لكن من بين 500 ألف شخص مشارك في العملية، بحسب ما قاله موقع «اونونيموس»، لن يؤثر القبض على العشرات. انتشار خبر الاعتقالات للناشطين حفّز رفاقهم أكثر. كثفوا هجومهم على المواقع الإسرائيلية. «الهدف ليس الحفاظ على المواقع المقرصنة» يقول أحد المشاركين في العملية. يضيف «المطلوب إيقاف الموقع لدقائق لتقوم مجموعة أخرى بمسح وسرقة الداتا منه». إذاً بإمكان الموقع أن يعود للعمل مجدداً، لكن كل الداتا المطلوبة ستكون في حوزة المهاجمين. ويقول الشاب إن «بعض المواقع الإسرائيلية جرى مسح قاعدة بياناتها، ما يعني أنها لن تعود إلى العمل قبل أشهر». لم يخترق المهاجمون المواقع الحكومية الإسرائيلية فقط. فقد قرصنت أيضاً مئات الآلاف من بطاقات الائتمان ونشرت أرقامها على المواقع الاجتماعية. أما حكم استخدامها فهو «حلال حلال حلال»، بحسب الشيخ عبد العزيز الطريفي، الذي أفتى بجواز استخدامها لأن إسرائيل بلد محارب أي عدو. وكانت أبرز المواقع والحسابات التي قرصنت الحساب الشخصي للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي افيخاي ادرعي، وموقع إحدى الجامعات الإسرائيلية في تل أبيب، بالإضافة الى موقع وزارة التعليم الإسرائيلية التي قالت إسرائيل إنه توقف نتيجة عطل فني. لا يهم سبب توقف الموقع، المهم أنه توقف. زوجة نتنياهو وابنته سُرقت أيضا معلومات شخصية عنهما. نُشر رقمي هاتفهما الخاص على المواقع الاجتماعية.
يوم أمس، قسم المهاجمون طريقة عملهم. صباحاً بدأوا بقرصنة حسابات الفايسبوك والتويتر. ظهراً المواقع الحكومية. ومساءً المصارف الإسرائيلية التي راح أولى ضحاياها بنك لئومي. أبناء تونس والمغرب أطلقوا عملية «ثعلب الصحراء»، مهمتها اختراق الحسابات المصرفية الصهيونية.
في السادسة مساءً، تكثفت الهجمات على المواقع الإسرائيلية. الإعلام الإسرائيلي غاب عن الحدث. فالهجمات، بحسب وسائل إعلام العدو، لم تكن مؤثرة، وما قرصن هو مواقع ثانوية. بالطبع، لا يمكن تصديق الإعلام الإسرائيلي، فقد عودنا على تقليص حجم الأضرار التي يصاب بها.
المهم أن إسرائيل عاشت حرباً عالمية إلكترونية. طلبت المساعدة من بعض أفراد مجموعة «انونيموس» لحماية مواقعها مقابل دفعها أموالاً طائلة، أي رشوة. «قبلوا» المهمة. لكنهم لم يكونوا عند حسن ظن الإسرائيليين، فقد «تمكنوا من سرقة كمية كبيرة من المعلومات التي كان من المفترض حمايتها»، يقول أحد أعضاء المجموعة. ومن المتوقع أن تكون هذه المعلومات هي المفاجأة التي ستقدمها المجموعة للحكومة الإسرائيلية.
هكذا، نفذت «انونيموس» تهديدها. ربما لم تكن أضرار الهجوم كبيرة كما ادعت إسرائيل. وربما استطاع الهاكرز فعلاً إيذاء إسرائيل افتراضياً. لكن الأهم من هذا وذاك أن معركة 7 نيسان أكدت أن فلسطين «أمّ البدايات، وأمّ النهايات». كما في الفضاء الإلكتروني، كذلك على أرض الواقع.