«راح أفضحكم بعد ما أحرق حالي»، تهديد بالانتحار تلقاه مدير أبو إبراهيم (اسم مستعار)، الشاب الذي يعمل في أحد الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة «حماس» السابقة في غزة، عبر مكالمة هاتفية. أضاف الشاب: «ما عنديش أكل لأولادي بالدار، ولا معي مصاري أشتريلهم، وصاحب الدكان مش راضي يعطيني دين تراكمت علي الديون والدنيا سودت بوجهي».
لم يمنع آخر منخفض جوي ضرب قطاع غزة، «أبو إبراهيم»، من التراجع عن خطوته التي كادت أن تكون حادثة حقيقية هددت حياته ومستقبل أبنائه. الحكاية تبدأ من حالة اليأس والإحباط التي شعر بها ذلك الشرطي، وخاصة أنه لم يكن يملك سوى بضعة شواكل (عملة إسرائيلية جبرية). تلك النقود لم تكن تكفي سوى ليشتري بها لتراً من البنزين سكبه على نفسه وجلس في «متنزه برشلونة» جنوب مدينة غزة، تحت الأمطار الغزيرة. أجرى مكالمته مع مديره الذي سارع للوصول إلى المكان خوفا من حرق ذلك الشاب نفسه وتحول الأمر إلى قضية رأي عام.
عمليات التهديد بالانتحار تكررت لدى عناصر من الأجهزة الأمنية، مع أن بعضهم كانوا غير جديين في التنفيذ، بقدر ما كانت رسالة حاولوا إيصالها إلى «الجهات العليا» التي تركتهم بلا رواتب لأكثر من عام، عدا بعض الدفعات المحدودة. حالة أخرى كان بطلها أحد الموظفين، بعدما سكب على نفسه البنزين في البنك الوطني الإسلامي التابع لـ«حماس». في ذلك اليوم، تسلم راتبه ولم يكن أكثر من 180 شيكل (نحو 50 دولاراً)، وهو للشهر السادس على التوالي لم يتمكن من إقناع البنك بالتخفيف من عمليات الحسم التي تطاول راتبه. كذلك الأمر بالنسبة إلى الشرطي (ن.ق) (35 عاماً) الذي أقدم على إحراق نفسه في مقر عمله (العدد ٢٦١٣ في ١٢ حزيران ٢٠١٥).

تُسوى انتقادات عناصر الأمن بلجان داخلية وتحذيرهم من النقد العلني

هذه الحوادث ظاهرة للعامة حتى الآن، لكن يبدو أن هناك ما هو أكثر. تقول مصادر من الأجهزة الأمنية إن «الوضع لم يعد يحتمل، والقيادة السياسية لا تفكر في سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها غالبية المنتسبين إلى الأجهزة الأمنية مهما علت رتبتهم». يضيف: «لم يعد أحد من رجال الأجهزة الأمنية غير مديون للآخرين بالمال، والمفارقة أن يأتيهم أصحاب الدين ليهددوهم بتقديم الشكوى ضدهم في مراكز الأمن!». يتابع المصدر نفسه: «كنا نعيش مستوى اجتماعياً متوسطاً، ولكننا اليوم نجبر على أن ننزل إلى مستوى الفقراء بل الأشد فقرا... أطفالنا يطلبون منا ما لا نستطيع جلبه لهم، وذهبت هيبتنا أمام أنفسنا».
لم تعد هذه الروايات، التي وردتنا بعضها، مسجونة في غرف المديرين العامين المغلقة، «حتى لا تتزعزع الجبهة الداخلية للأجهزة الأمنية لحكومة حماس أمام خصومها السياسيين الذين تتقدمهم حركة فتح وسلطة الرئيس محمود عباس»، بل صارت مثار حديث أي «جَمْعة بين زملاء العمل، والتحسر على ما آلت إليه أوضاعهم المعيشية وتربص الآخرين بهم»، والخوف الأكبر من نكران حقوقهم اذا حدث اتفاق مصالحة جديد يأخذ بعين الاعتبار الموظفين المدنيين ولا يشمل العسكريين، تعقّب المصادر.
انتقادات عدة وجهت إلى ما تبقى من تركيبة «حماس» الوزارية بشأن سلوكيات فردية لرجال الشرطة أو حتى مؤسسات بأكملها نتيجة التقصير في أداء الواجب المطلوب منها، وغالباً ما تكون هذه الانتقادات نابعة من صحافيين وكتاب. حالياً «فايسبوك» هو المنصة الأكثر رواجا للتعبير عن آرائهم ومطالبة المسؤولين بتغيير سلوكيات مرؤوسيهم أو حتى تغيير نظم وقوانين لا تتماشى مع الوضع الاستثنائي الذي تمر به غزة.
في المقابل، سلك صناع القرار في «حماس» عدة طرق للرد على هذه الانتقادات، وغالباً ما يكون الرد هو النفي وتكذيب بعض الأخبار واعتبارها أخرى شائعات شأنها النيل من الوحدة والنظام الذي يعيشه القطاع، كما طغت في الآونة الأخيرة وسيلة جديدة للحد من أصوات المنتقدين، وهي رفع دعاوى قضائية بتهمة القذف والتشهير، كانت بدايتها مع الصحافية مشيرة توفيق التي أصدرت تحقيقا يخص مستشفى شهداء الأقصى بعدما توفيت طفلة حديثة الولادة بسبب أخطاء طبية، ثم الناشط رمزي حرز الله الذي كان ينتقد الحكومة عبر مقاطع على قناته في «YouTube».
تلى ذلك اعتقال الصحافي أيمن العالول بسبب هاشتاغ (#سلموا_المعبر)، الذي لاقى رواجاً كبيراً عقب الأزمة الإنسانية التي واجهها المسافرون عبر معبر رفح، وأخيراً استدعاء الصحافية هاجر حرب مراسلة قناة «المسيرة»، إثر كتابتها منشورت على صفحتها تنتقد فيها تصرف إحدى الشرطيات معها أثناء تغطيتها فعالية محلية.
وقد يبدو أنه من الطبيعي أن تتعامل حكومة غزة مع غير المنتسبين إليها بوسائل قمعية لإسكاتهم متجاهلة كل مطالبات المؤسسات الحقوقية، ولكن الغريب هو طريقة الرد على تنامي حجم انتقادات عناصر من الأجهزة الأمنية لمديريهم وقياداتهم السياسية. مصادر أشارت إلى أن الانتقادات التي كان يوجهها أبناء الأجهزة الأمنية غالبا ما كانت تُسوى عبر لجان داخلية لمراجعة هؤلاء وتحذيرهم من انتقادات علنية، تحت عنوان أنّ المصلحة العليا أهم. من هؤلاء الشرطي رامي ريان الذي كتب منشورا عن قضية توزيع 36 سيارة جديدة على مديرين عامين في وزارات غزة.
وفيما أفاد عدد من عناصر الأمن بأنه جرى تنبيههم بشأن الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الجو العام لدى أصحاب الرواتب المتدنية من أجهزة الشرطة والمرور والدفاع المدني ناقم على المسؤولين في ظل شعور عام بأنهم على هامش الحل في الاتفاقات الماضية، فضلاً عن استمرار الخنق المالي لهم بصورة متواصلة.