«ربما كان عددهم أقل من ذلك، وربما أكثر؟ لم يسألنا أحدٌ قبلك عن أسمائهم أو عددهم!»، بما سبق علّق عدد من الزملاء الصحافيين السوريين على أسئلتنا حول أعداد وأسماء الشهداء الفلسطينيين الذين قضوا في تفجير حي السيدة زينب قبل نحو أسبوع. مضت أيام على التفجير الذي تبناه تنظيم «داعش» ولم يصدر أي تصريح فلسطيني، رسمي أو شعبي أو فصائلي، على الحدث. خمسة وثلاثون فلسطينياً قضوا في الهجوم الإجرامي مع عشرات السوريين. بعضهم أطفال ونساء، حصلنا على أسمائهم بعد رحلة بحث شاقة. كانت الأسماء مكتوبة على «ورقة دفتر» بخط اليد، أي إنه لم يُصدر أي طرف رسمي فلسطيني حصيلة موثقة أو حتى مجرد نعي لمن شيعوا قبل يومين أغراباً إلى مثواهم الأخير في هذه الدنيا. بل جُمعت أسماء الضحايا بجهدٍ ذاتي من الزملاء!

غريبة حالة الصمت التي لجمت المستوى الرسمي الفلسطيني في رام الله وغزة، وغير منطقية. هل بات دم الفلسطينيين الموزع في مسالخ الموت خارج اهتماماتهم؟ توحدت الفصائل السياسية هذه المرة مع السلطة في الصمت والتغافل ما دامت أرض الحدث سوريا، وما دام الفاعل يخدم أجندة لاعبين كبار في المنطقة يجب ألّا نحرجهم! لا أحد يعلم حتى اللحظة على عاتق من تقع مسؤولية رعاية عائلات الشهداء والمصابين التائهين في أروقة ثلاجات ومستشفيات دمشق؟
مثل هذه «المحكّات» تظهر قيمة الفلسطيني حتى عند أهله، لكن لا قمية كما يبدو لموت الفلسطيني خارج «بازار الاستثمار السياسي». هذا الحدث يضع الجميع في طاحونة مفارقة قاسية في توظيف المصائب. فقد وقف الإعلام الفلسطيني ــ بشقيه الحزبي والرسمي ــ قبل سنوات متوحداً مع الإعلام القطري والخليجي في حملة «لن يسقط اليرموك». بدت الفقاعة الموسمية التي رفعت جوع فلسطينيي مخيم اليرموك مثيرة للحنق وهي تعزف على وتر المبالغة والاستغلال، أُلقي اللوم آنذاك على الدولة السورية في حصار المخيم. أهداهم (اليرموك) عشرات الانتحاريين بعدما صار بؤرة عسكرية لعشرات المجموعات المسلحة! أجل كان على الدولة أن تكافئ من جعل الناس رهائن بالمزيد من أكياس الطحين! من ثم انسحبت الأحزاب جميعها من سوريا (لدواعٍ أمنية) وتركت وراءها ــ كما فعلت في بداية الحرب ــ فراغاً ملأته المجموعات المسلحة ليجد اللاجئون أنفسهم وحيدين في فوهة المدفع قبل الحل الأخير.
شارك جمع من الفلسطينيين في تلك الأيام بعنف في حملات التضامن الموجهة قطرياً، وفعلا كانت تلك المواجهة ليس من أجل «الفلسطيني السوري» بقدر ما هي استهداف للكيان السوري ضمن حرب الشيطنة التي كانت معلنة. الآن نقف بخدر أمام مستوى الإسفاف والامتهان الذي وصل إليه شعب لا تملك حكومتاه ونخبه ولا ثلاثون فصيلاً سياسياً فيه موقفاً مسؤولاً اتجاه خزان بشري نكبته الحرب، وتغذت على لحم أبنائه أسماك القرش، بعدما قصّرت قوارب الموت المتهالكة في توصيلهم إلى بر الأمان.
«الحيّ» الوحيد في مقبرة القيم الوطنية كان محمد دحلان، النائب في المجلس التشريعي المفصول من حركة «فتح» والمقيم في الإمارات! الحق أن الرجل يفاجئنا بذكائه دائماً، حين يجيد اللعب في المساحات التي يهمشها خصومه. ظهر «أبو فادي» في موقفه على الصفحة الزرقاء (فايسبوك) في قمة التألق في الوقت الذي غص فيه الجميع في نومهم. ما هو غيرُ مقنع، ما ذيّل به الرجل تصريحه، بعدما وصف ما جرى بـ«حرب تدمير سوريا»، وهو وصف مدروس بعناية فائقة، يلعب فيه «مهندس السياسة الخارجية لمحور الإمارات» على موازين قوى الإقليم التي قدمت روسيا وإيران والدولة السورية مؤخراً، كلاعب رئيسي في مجريات المنطقة.
كذلك لعب دحلان على استمالة الخزان البشري من لاجئي الشتات إلى صفه في أي معركة سياسية مقبلة وتحديداً أن الهجمة على مناصريه في الضفة تزداد شراسة. فربما أوصلت دماء الضحايا رسالة «الرئيس القادم» كما يتوقع أنصاره في المرحلة اللاحقة. لكن صوت المكلومين في الشتات لم يسمعه أحدٌ بعد. ولعل وعسى أن الاستنكار الصادر أمس عن «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين ــ الأونروا» الذي استنكرت فيه التفجير الذي حدث في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، يوقظ بعض الخجلين من أنفسهم.
ومن المهم الاقتباس عن بيان «الأونروا» الفقرة التي تشير تحديداً إلى أنه «منذ عام 1948 استضافت السيدة زينب لاجئي فلسطين داخل مخيم رسمي في المنطقة»، من أجل الإجابة عن تساؤلات بعض «المتحاذقين» عن سبب وجود فلسطينيين قرب مزار ديني، مع أن الإنسانية والشرعة الحقّ لا تغفلان إنكار هذه الجريمة التي تشبه ما جرى في اليوم نفسه في حي الزهراء في حمص.