كانت المعادلة التي سعت الحركة الوطنية، لإرسائها في السياسة الأردنية حول سوريا، بسيطة: تجميد الاعتراض الداخلي مقابل الحياد في الأزمة السورية. وخلال السنتين الماضيتين، أثبتت هذه المعادلة فعاليتها، في مفاصل عديدة، وأحبطت تيارات داخلية ومشاريع تدخّلات مؤذية.


نذكّر أن الأردن شهد، اعتبارا من النصف الثاني من العام 2011، ما يشبه التسونامي المؤيّد لـ «الثورة» السورية، بقيادة الإخوان المسلمين، المسنودين من المجموعات الليبرالية وأوساط شعبية. وفي هذه الأجواء، عانت التيارات الوطنية والقومية واليسارية من ضغوط هائلة وتهديدات جسيمة، لكنّ نواتها الصلبة صمدت وواجهت التحدي، وتحركت، بشجاعة، لاجتذاب الرأي العام، وعقد التحالفات مع أوساط داخل الدولة وخارجها، خصوصاً الأوساط البيروقراطية، المدنية والعسكرية، والأوساط العشائرية.
كانت تلك معركة يومية، بالكلمة والاتصالات المثابرة واللقاءات والتحشيد والاعتصام وحتى الاشتباك، وتكللت بإزاحة الهيمنة الإخوانية والليبرالية عن الوعي الوطني حيال الشأن السوري. وتمثلت أهمية النجاح في هذه المعركة، في منع قيام غطاء شعبي للتآمر على الجمهورية العربية السورية.
الأطروحة التي تكوّنت في مجرى نضالي وحصلت على نوع من الإجماع الوطني هي أن التدخّل الأردني في سوريا، سينقل أزمة الفوضى والعنف والإرهاب إلى الأردن، ويمنح الإخوان والسلفيين، فرصة ذهبية للاستيلاء على الحكم في البلاد، في إطار برنامج متفق مع الأميركيين على سياقه، هو إقامة صيغة ديموقراطية إخوانية للوطن البديل.
حتى خريف 2012، كان الأميركيون لا يزالون يمارسون حملة على النظام الأردني، في سلسلة من الاتصالات الداخلية والتقارير الصحافية، بينما كانت الضغوط القطرية والتركية والسعودية تتفاعل بقوة، وتواجه خزينة الدولة ما يشبه الإفلاس، ويعاني الاقتصاد مفاعيل أزمة الربيع العربي، خصوصا الأزمة السورية. وفي مواجهة كل ذلك، معطوفاً على التحدي الإخواني الداخلي، قويت شوكة القوى التي تساند الدولة السورية، وتحثّ على البحث عن حلفاء جدد في روسيا والعراق، بديلاً عن الارتهان للولايات المتحدة والخليج.
لكن الأحوال بدأت تتغيّر مذ ذاك، أولاً، بظهور المداخلة الإماراتية المعادية للإخوان ولكن المنخرطة في الحرب على سوريا. وهي المقاربة التي جرى تبنيها من قبل السعودية، وتحولت عمان، شيئاً فشيئاً، نحو الالتحاق الحذر بهذا الخيار. ثم تتالت التطورات من عقد الانتخابات وعَزْل الإخوان ـــ الذين تضرروا، جدياً، جراء تجربة الحكم الفاشلة في مصر ـــ وظهور كتلة نيابية مرتبطة بمصالح خليجية، وتشكّل قوّة ضغط لعملية التجنيس والتوطين، وأخيراً انحسار الحركة الشعبية، وحصول النظام الأردني على مباركة أميركية لـ «الإصلاحات السياسية» في البلاد، وتعززت مواقع المجموعة المرتبطة بالأميركيين في موقع القرار. وفي هذا المناخ، سقط الخط الأول للممانعة داخل الدولة، وانتهت مفاعيل معادلة التوافق الداخلي حول الحياد إزاء سوريا.
لكن، في المقابل، بدأ يتشكّل، للتوّ، تيار عريض يشمل قيادات بيروقراطية تقليدية وقوى يسارية وقومية وعشائرية، لم تتأخر في الإعلان عن مواقف قاطعة مضادة للتدخل في سوريا، برلمانيا وحزبيا وشعبيا.
عميد «الديناصورات» ـــ أي القيادات التقليدية للدولة على حدّ وصف الملك ـــ عبدالهادي المجالي، وجّه انتقادات سياسية واقتصادية واجتماعية، عنيفة جداً، في البرلمان، لحكومة عبدالله النسور (التي تسعى للحصول على الثقة النيابية) وحذّر من السير وراء السياسات الأميركية التي «ستدخلنا في مساحة النار» السورية، ونبّه إلى أن الأميركيين، يدبرون «أسرار الحل النهائي (للقضية الفلسطينية)، ومفاتيحه، وأظنها كونفدرالية على حساب الأردن وفلسطين». وطرح المجالي بديلين، خارجي يتمثل في تنويع «خياراتنا وعلاقاتنا الإقليمية والدولية»، وفقا لـ «مصالحنا»، لا تحت «الضغوط»، وداخلياً، بقيام «حكومة إنقاذ وطني، تضم كل القوى السياسية والرموز الوطنية».
وشكل خطاب المجالي خطاً عاماً لبروز معارضة برلمانية واسعة، أدانت قدوم الجنود الأميركيين إلى البلاد، ودعت إلى تأكيد سياسة الحياد نحو سوريا. وفي الاتجاه نفسه، أعربت قوى حزبية وشعبية وكتابات صحافية عن رفضها الانزلاق نحو التورّط في الأزمة السورية، في حين دعا مناضلون يساريون وقوميون ومثقفون ومتقاعدون عسكريون ومهنيون إلى عقد مؤتمر وطني، تم الاتفاق على وثيقته السياسية التي اختتمها النداء التالي «إننا ندعو شعبنا وجيشنا إلى التصدّي لمؤامرة توريط الأردن في العدوان على سوريا، ومؤامرة الكونفدرالية».
الحركة الوطنية الأردنية، الآن، أمام معركة جديدة لمقاومة المشاريع الأميركية، أردنياً وسورياً وفلسطينياً. وهي معركة قاسية ومعقّدة ولا بد أن تُخاض على الأرض بشجاعة وحكمة، لا بخطابات أصحاب الرؤوس الحامية في الإعلام السوري وسواه: رجاء، كفّوا عن كليشيهات الستينات والسبعينات حول الأردن، أولا، لأنها لا تعكس الواقع، وثانيا لأنها تُربك وتُضعف نضال الوطنيين الأردنيين في الميدان.