جبهة القصير تتهاوى أمام الجيش السوري والمجموعات العسكرية الموالية للنظام. هذه العبارة تلخص ما جرى خلال اليومين الماضيين في تلك المنطقة الواقعة جنوبي مدينة حمص، وشرقي منطقة الهرمل اللبنانية. ريف القصير كان حتى ما قبل أسبوع ينقسم إلى جزءين: شرقي نهر العاصي، وغربي العاصي.


شرقي النهر، كانت اليد العليا للمجموعات المسلحة التابعة للمعارضة السورية، من القصير جنوباً، إلى بلدة آبل شمالاً، وصولاً الى تل النبي مندو القريب من نهر العاصي في الوسط. أما غربي النهر، فتنتشر قرى ومزارع يقطنها سوريون ولبنانيون منذ ما قبل رسم الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا. والجزء الأكبر من هذه القرى والمزارع كان تحت سيطرة الجيش السوري، واللجان الشعبية التي يدعمها حزب الله، إضافة إلى مجموعات تابعة للحزب مكونة من أبناء هذه القرى، ومدعومة بمجموعات دخلت من لبنان.
خلال الأشهر الماضية، كان النهر يمثل خط التماس والفصل بين الطرفين، لكن مع قدرة مجموعات المعارضة على التوجه إلى مناطق غربي النهر، وتنفيذ عمليات ونصب كمائن، وخاصة أن لها فيها وجوداً قوياً ومُحصّناً. انقلاب الصورة الميدانية في المنطقة بدأ قبل أكثر من 10 أيام، عندما تمكن الجيش السوري من استعادة السيطرة على تل النبي مندو المطل على معظم مناطق ريف القصير، والمشرف على جسر يصل ضفتي النهر. وخلال الأسبوع الماضي، تمكن الجيش أيضاً من دخول بلدة آبل في الشمال، التي تصل بين القصير وحمص، بعد حصار دام نحو عشرة أيام. وخلال الساعات الـ 48 الماضية، نفّذ الجيش السوري عملية عسكرية واسعة، هدف من خلالها إلى السيطرة على مساحات شاسعة شرقي النهر وغربيه، كانت تحت سيطرة المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة، فتمكن من تحقيق هدفه، معيداً السيطرة على قرى ومزارع سقرجة والخالدية والموح والجروسية والسكمانية وقادش والمنصورية والرضوانية والسعدية والبرهانية. كذلك طرد الجيش المسلحين من محيط عين التنور، وهو الذي ينبع منه أحد الروافد الصغيرة لنهر العاصي.
نتيجة هذه المعركة كانت قاسية على المسلحين المعارضين، الذين سقط لهم عدد كبير من القتلى، ما انعكس نداءات استغاثة وجهوها إلى الفصائل المقاتلة الأخرى طوال اليومين الماضيين، على صفحاتهم على المواقع الإلكترونية، متحدّثين عن اقتراب هجوم «الجيش السوري وحزب الله» من مدينة القصير. قبل أن يعدلوا من لهجة خطاباتهم ليل أمس، مؤكدين انتصارهم القريب. وقالت مصادر ميدانية في المنطقة لـ«الأخبار» إن ما جرى يشكل اندفاعة كبيرة للجيش السوري مكنته من الاقتراب من مدينة القصير، ومن وضعها بين فكي كماشة. وفيما أشارت مصادر من المنطقة إلى أن «الهجوم لن يتوقف إلا بعد تحرير القصير من المقاتلين الموجودين فيها»، فإن مصادر أخرى قالت إن العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش السوري في المنطقة، «تهدف إلى عزل المدينة والسيطرة عليها بالنيران، ومنع المقاتلين الموجودين فيها من التمدد نحو حمص أو نحو ريف دمشق الشمالي، أو قطع طريق حمص ـــ الشام».
ولمدينة القصير موقع استراتيجي. فمنها يعبر معظم الدعم الذي تؤمنه المجموعات المسلحة في لبنان إلى المعارضين السوريين، وتحديداً من جرود عرسال. ومن القصير، كان بإمكان المسلحين الوصول إلى مدينة حمص، وإلى ريف دمشق الشمالي. كما أنهم يمثلون تهديداً دائماً للطريق الدولية التي تصل العاصمة السورية بمدينة حمص، وتالياً، بالساحل السوري .
كذلك فإن ما حققه الجيش السوري أمس سيسمح له بالتمدد أكثر في مناطق غربي النهر، وفك الحصار عن بلدة الغسانية المحاصرة منذ أشهر، وباستعادة مطار الضبعة الذي سيطر عليه المعارضون خلال الأسبوع الماضي، بعدما انسحب منه الجيش السوري، وحوّله إلى ما يشبه المكمن للمسلحين الذين سقط عدد كبير منهم بقصف القذائف والصواريخ المركزة على المطار.
ريف دمشق
تزامناً، تقدم الجيش السوري في ريف دمشق، وخاصة في المنطقة الجنوبية الغربية لهذا الريف، التي لها امتداد أيضاً نحو الحدود اللبنانية. ففي بلدة جديدة الفضل، المتاخمة لبلدة جديدة عرطوز، جرت مواجهات عنيفة ابتداءً من ليل الجمعة الماضي بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة، وعنفت المواجهات ابتداءً من فجر السبت، بعدما استقدم الجيش تعزيزات. وفيما حاول المسلحون قطع طريق الإمداد قرب المعظمية، بواسطة رصاص القنص، تمكن الجيش من السيطرة على جديدة الفضل. وفيما تحدّثت مصادر المعارضة عن وقوع مجزرة في البلدة، قالت مصادر مؤيدة للنظام السوري إن عشرات المسلحين قُتلوا بعدما حاولوا الهجوم على جديدة عرطوز، التي شهدت بعد ظهر أمس مسيرات سيارة دعماً للجيش السوري. وقالت مصادر ميدانية لـ«الأخبار» إن الجيش السوري سينطلق من جديدة الفضل وجديدة عرطوز لـ«تنفيذ هجوم يهدف إلى طرد المسلحين من بلدة عرطوز ومحيطها». ولم يتسنّ تأكيد هذه المعلومات من مصادر رسمية. وتجدر الإشارة إلى أن السيطرة على جديدة الفضل تسمح للجيش السوري بقطع طريق تهريب رئيسية بين المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين في الجولان، وبين ريف دمشق.
ما يجري في ريف دمشق وريف القصير يهدف، بحسب مصادر مواكبة لما يجري في الميدان السوري، إلى أمرين: الأول هو إبعاد تأثير الحدود اللبنانية عن مدينتي حمص ودمشق. والثاني، له صلة بخطة وضعتها القيادة السورية لتنفذها على كامل الأراضي السورية، على أن تنتهي المرحلة الأولى منها قبل بداية حزيران المقبل. وتهدف إلى توسيع «رقعة الأمان» حول العاصمة السورية دمشق، واستعادة السيطرة على معظم مناطق محافظة حمص، وتعزيز قوات الجيش السوري في مدينتي حلب وإدلب وريفيهما، وتامين أكبر قدر ممكن من الطرق الرئيسية بين المحافظات. أما الجزء الثاني من هذه الخطة، فيهدف إلى التوسع في المناطق الشمالية من سوريا، وخاصة في محافظتي إدلب وحلب، ومحاولة التخفيف من أضرار تدفق السلاح والمسلحين إلى المناطق الجنوبية عبر الحدود الأردنية.
(الأخبار)