تبنّى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار ٢٢٦٨، الذي يزكّي اتفاق «وقف الأعمال العدائية في سوريا»، قبل أقل من ساعتين من موعد سريانه. وسبق المجلس تحديد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان ديميستورا، الرابع من آذار موعداً لاستئناف مباحثات جنيف.

وتبنى مجلس الأمن القرار الدولي بناءً على مفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة وحدهما. حاولت فرنسا إدخال تعديلات عليه، لكن الطرفين رفضا مقترحاتها، التي تناولت تعزيز خطوات بناء الثقة، وتهيئة الأجواء لاستئناف مباحثات جنيف.
أما في جنيف، فكانت «مجموعة الدعم الدولية لسوريا»، التي ترأسها روسيا والولايات المتحدة، تراجع مع الأطراف المختلفة، إضافةً لإيران والسعودية بنود الإتفاق وشروط وقف القتال.
وكما أُعلن في ٢٢ شباط الحالي، تضمّن الإتفاق مشاركة كافة الأطراف في المباحثات التي ترعاها الأمم المتحدة، بهدف تطبيق قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤. والسماح بإيصال المساعدات المستدامة دون عرقلة. ووقف الهجمات، بما فيها الغارات الجوية، والعزوف عن كسب الأراضي من الطرف المقابل، إضافةً لاستخدام القوة المتكافئة في حالات الدفاع عن النفس فقط، وذلك بالتعامل مع الأطراف المشاركة في الإتفاق، والإلتزام بالعمل على الإطلاق السريع للمحتجزين.
بدورها، وافقت الحكومة السورية على وقف الأعمال العسكرية، باستثناء تلك الموجهة ضد «داعش» و«تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة»، وسواهما من متفرّعات «القاعدة».
في وقتٍ عبّرت فيه «لجنة المفاوضات العليا»، التي تتخذ من الرياض مقرّاً لها، عن رغبتها باختبار الهدنة لأسبوعين، لـ«التعرّف على جديّة الحكومة السورية وحلفائها»، بحسب وصفها، بينما تحفّظت، وبكثرة، المجموعات المسلحة المختلفة على مواصلة روسيا عملياتها ضد من تعدّهم إرهابيين.

تخشى بعض الدول استهداف مجموعات مسلحة قريبة منها

بناءً عليه، عمِلَ الروس والأميركيون مع «مجموعة الدعم الدولية لسوريا» على رسم خطوط لتحديد الجبهات والأطراف المتقاتلة على الساحة السورية. حدّدوا أماكن انتشار «داعش» و«النصرة» وسواهما من التنظيمات الإرهابية المسلحة، والمحددة من قبل الأمم المتحدة، بحيث تستثنى تلك المناطق من العمليات العسكرية. وبقي مشروع القرار الأخير خالياً من الإشارة إلى حدود المناطق المخططة.
ويطلب القرار ٢٢٦٨ إحترام وقف النار في موعده، بعد منتصف الليل مباشرة، مزكياً الإتفاق الروسي ــ الأميركي (٢٢ شباط الجاري)، إذ يطلب التطبيق الفوري التام لقرار المجلس الرقم ٢٢٥٤، الداعي إلى إنشاء مرحلة إنتقالية سورية، وفقا لبيان جنيف في ٣٠ حزيران ٢٠١٢، كما يطلب من كافة الأطراف المشتركة في الاتفاق تلبية إلتزاماتها والإقرار بالاتفاق بين الحكومة و«لجنة المفاوضات العليا»، كي تكون شريكة في شروط وقف القتال. ويرحب القرار بوقف القتال كخطوة على طريق إتفاق وقف مستدام للنار، وما يوازيه من عملية سياسية. ويدعو إلى إدخال المعونات، دون تعطيل أو تباطؤ، ومن أقصر الطرق. ويسمّي الأماكن التي تحتاج لمساعدات وتعاني الحصار، ويطلب من القوى تسهيل عبور القوافل، عبر ممارسة نفوذها في كل منطقة. كذلك، يطلب القرار من الدول النافذة الضغط للإفراج عن المعتقلين، ولا سيما النساء والأطفال. ليختم بالدعوة لإستئناف المفاوضات، متضمناً ملاحق مثل اتفاق ٢٢ شباط، والبيان الروسي ــ الأميركي المشترك، والمتعلق باتفاق وقف الأعمال العدائية.
وخلال المفاوضات على مشروع القرار، عبّرت بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن خشيتها من إستهداف مجموعات مسلحة قريبة منها، إذا كانت في أماكن مشتركة مع «جبهة النصرة» مثلا، أو تتعاون معها. وهذا قد يجعل وقف القتال أمراً هشّاً.
وعليه، تولّى دي ميستورا بحث هذه التفاصيل في جنيف، مع الدول والمجموعات المختلفة، لكنّ بعض الإشكاليات بقيت معلّقة، كمراقبة الوضع على الأرض بعد الإتفاق، وقد يحدده المبعوث الدولي في مؤتمره الصحافي اليوم.
كما تقضي شروط الإتفاق، بأن يروي ما جرى، أي طرفٍ يتعرض للنار، إلى «مجموعة العمل»، المنبثقة عن «مجموعة الدعم الدولية»، سواءٌ عبر مكتب المبعوث الخاص دي ميستورا، أو مباشرة للروس أو الأميركيين الذين يرأسون المجموعة.
أما المسألة الأخرى، فهي المجموعات الكردية، وخصوصاً «قوات سوريا الديموقراطية»، وما إذا كانت ستلتزم وقف القتال، وتشارك في مباحثات جنيف. فهذه المجموعة بنظر تركيا إرهابية، لكن روسيا والولايات المتحدة تنظران إليها على نحو مختلف، فيما احتفظت تركيا بحق شن هجمات على المناطق الكردية، إذا شعرت بتهديد أمني. ما سيدفع الأميركي إلى أداء دور «حلال المشاكل»، لكن التحكم فيس التصرفات التركية ليس محسوماً، فضبط الحدود التركية ومنع تدفق السلاح والمسلحين يبقيان موضع شك.
في موازاة ذلك، تحشد السعودية قوات جويّة وبريّة في تركيا، دون أن يُعرف بعد، مدى إمكانية ضبط تدخلها المشترك مع تركيا، ما يمكن أن يؤدي إلى إفساد الإتفاقات، إذا لم تكن الأمور تسير كما تشتهي الدولتان، أو لم تأت العملية الإنتقالية وفق تفسيرهما الذي يدعو إلى تغيير النظام.
فيما الدول الغربية، بمجملها، تريد التهدئة وجعل الوضع آمنا داخل سوريا لملايين السوريين، من أجل وقف تدفق اللاجئين نحو تركيا ومنها إلى أوروبا، حيث الأزمة تهدد بإنهيار وشيك لاتفاقية الحدود المفتوحة «شنغين»، بين عشر دول أوروبية، وربما لمضاعفات أكبر بكثير.