مُفترقُ طُرقٍ جديدٍ تقفُ الحرب السّوريّة على أعتابه، عنوانُه: الهُدنة. ورغمَ الشّكوك المتزايدة في حظوظ نجاح الاتّفاق الذي مرّ بمخاضاتٍ عسيرة قبلَ أن يرى النّور بصورةٍ شبه مُفاجئة، يبدو بمثابةِ فُرصةٍ أخيرة قد يؤدّي إهدارُها إلى تسعير الحرب على نحوٍ غير مسبوقٍ حتّى الآن. وعلى ضوء الطّريقة التي باتت تنتهجُها الإدارة الأميركيّة في مقاربة الملف السّوري منذُ توقيع «الاتفاق النّووي التاريخي» مع إيران ثمّ الدّخول الروسي المباشر وما تبعَه من تغيرات كبيرة في المشهد الميداني، يُمكن القولُ إنّ اللّاعبين الإقليميين الدّاعمين للمعارضة يذهبونَ اليوم إلى الهدنة مُكرهين ومتحيّنين أي فرصةَ لإرجاع عقارب السّاعة إلى الوراء.

تُسهم في ذلكَ عوامل عدّة، على رأسها أنّ أنقرة والرّياض على وجه الخصوص، ما زالتا مُصرّتين على تبنّي خياراتٍ مُتصلّبة في الملف السّوري خلافاً للبراغماتيّة الأميركيّة والأوروبيّة. وبموازاة هذا الافتراق بينَ اللاعبين الدوليين وشركائهم الإقليميين من داعمي المعارضة، وصلَ تماسكُ المحورِ المُقابل حدّ انخراط الحلفاء بشكلٍ كامل في الحرب ليمنح الكفّة السوريّة الرّسميّةَ رجحاناً (حتى الآن). وعلى مسافة ساعات قليلة من دخول الموعد المضروب للهدنة، توحي المعطياتُ المتوافرةُ بأنّها ستنالُ فرصةً خلال الأيام الأولى على الأقل، من دون الإفراط في التّفاؤل حول استمرار صمودها، وخاصّةً أنّ كلّ الأطراف تذهبُ إليها ويدُها على الزّناد.

تأتي «النّصرة» على رأس المتربصينَ بالاتفاق العتيد

وبدا لافتاً أنّ ترجيحَ حدوث خرقٍ كان حاضراً أمس في تعليق البيت الأبيض على الهدنة. وتوقّع المتحدث جوش إيرنست «مواجهةَ عراقيل» تقلّلُ القدرة على «البت بشأن نجاح أو فشل وقف إطلاق النار خلال الأيام الأولى، بل وربما على مدار الأسبوعين الأولين». اللّافتُ أنّ التوقّعات الأميركيّة تُطابقُ نظيرتها الرّوسية التي عبّر عنها وزير الخارجيّة سيرغي لافروف قبل ساعاتٍ من موافقة مجلس الأمن على قرار دعم الهدنة. وقال لافروف إنّه «لا يمكن ضمان تنفيذ وقف إطلاق النار بنسبة مئة في المئة». ولا تبدو هذه التّصريحاتُ مُستغربةً في ظل الثغر الكثيرة التي تشوب اتّفاق وقف الأعمال القتاليّة، وعلى رأسها الغموضُ حول آليّات مُراقبة تنفيذه، وسبل التّحقّق من الطّرف المسؤول عن خرقِه في حال حدوث أي خرق، وهي تفاصيلُ بقيَت غائبةً حتى عن قرار مجلس الأمن 2268 الذي أُقرّ أمس. علاوةً على ذلك، تُسهم خريطة التوزّع الميدانيّ (داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السّوريّة) في ترك الباب مفتوحاً أمامَ خروق أو مزاعمَ بحدوثها. وإذا كانت المناطق الجُغرافيّة الواقعةُ تحت سيطرة تنظيم «الدّولة الإسلاميّة» مُسثتناةً من الاتفاق بشكل واضحٍ بسببِ نفوذه المُطلق فيها، فإنّ الأمر لا ينطبقُ على مناطقِ سيطرة «جبهة النّصرة – الفرع السّوري لتنظيم القاعدة» التي تتشاركُ مع باقي المجموعات المسلّحةِ بُقعاً جُغرافيّةً كثيرة.
وتأتي «النّصرة» على رأس المتربّصينَ بالاتفاق العتيد، وهو أمرٌ عبّرَ عنهُ بوضوح زعيمها أبو محمّد الجولاني أمس في رسالةٍ صوتيّة خصّصها لمهاجمة الهدنة والدّعوة إلى تقويضها. الجولانيّ خاطبَ «جند الشّام» قائلاً «شدّوا عزماتكم، وقوّوا ضرباتكم، ولا تخيفكم حشودهم وطائراتهم»، كما حذّر من أنّ الهدنة سـ«تئدُ الثّورة وتُدخل الجهاد الشامي دهاليز المؤتمرات الدولية وملفّات الأمم المتحدة فيخرجونه عن أصل معدنه».
وفيما تجنّب الجولانيّ الإشارة في رسالته إلى حلفائه في «المعارضة المسلّحة» بشكل واضح، حرصَ على مهاجمةِ كلّ من قبل الاتفاق قائلاً «لا عجب أن يصدر هذا من مفاوض لم يعش مأساة أهلنا، ولم يعاين قصفًا أو يغبّر قدمًا في معارك الشام؛ فمن لم يقدّم الغالي والنفيس هان عليه بيع الشام بثمن رخيص». وتُعيدُ هذه اللّهجةُ في الخطاب التّذكير بواحدة من أهم «أدبيّات جبهة النّصرة» في سوريا، حيثُ «الحقّ في تقرير مصير الحرب وصورة الحُكم هو للمُجاهدين دونَ غيرهم». وتجدرُ الإشارةُ إلى أنّ علاقة «النّصرة» بمعظم المجموعات السوريّة المسلّحة تمرّ بمرحلةٍ غير مسبوقة من الخلافات، فيما تزايدَت المؤشّراتُ على جهودٍ راميةٍ للتّقارب بينها وبين تنظيم «داعش»، تدفُعُهما إلى ذلك «وحدةُ المصير». ويمكن القول إنّ التّحالف بين «النصرة» وبقية المجموعات قد وُضعَ على المحك بمجرّد سريان الهدنة الموعودة. ومن المُرجّح أنّ هذا التّحالفَ سيكونُ عُرضةً للاهتزاز في حال التزام المجموعات التي قبلت الاتفاق تنفيذه. وناهز تعداد هذه المجموعات المئة وفقاً لما أعلنته «الهيئة العليا للتّفاوض» أمس (97 مجموعة) من دون الإفصاح عن أسمائها، ومناطق نفوذها. وهو أمرٌ عزتهُ الخارجيّة الأميركيّة عقبَ صدور قرار مجلس الأمن إلى «دواعٍ أمنيّة».
وتجنّبت «الهيئة» الإشارةَ بأيّ شكلٍ إلى «النّصرة»، وكشفت في الوقت نفسه عن تشكيل «لجنة عسكريّة للمتابعة والتنسيق» يترأسها المنسق العام رياض حجاب. وتضطلع «اللجنة» بمهمّة «رصد أي خروق وتحديد الجهات المسؤولة عنها، وقياس مستوى تحسن الوضع الإنساني خلال فترة الهدنة، مع احتفاظ الفصائل المسلحة بحق الدفاع عن نفسها ضدّ أي عدوان خارجي». ورغمَ أنّ من السّابق لأوانه التّكّهنُ بموقف «اللّجنة» ومن خلفها «الهيئة العليا» والمجموعات المسلّحة المنضمّة إلى الاتفاق حالَ استهداف الجيش السوري وحلفائه لـ«جبهة النصرة»، يبدو هذا التّفصيل واحداً من أشدّ الألغام قابليةً لتفجير الاتّفاق برمّته، ولا سيّما أنّ استهدافاً من هذا النوع أمرٌ حاصلٌ لا محالة وفقاً للتّأكيدات الروسيّة والسوريّة. كذلك، يبدو الّلغم «التركي، الكرديّ» مُهيّأً للانفجار في أي لحظة، في ظلّ حرص أنقرة على التّلويح بـ«تطبيق قواعد الاشتباك حال وقوع أي أحداث تهدد أمنها القومي» وفقاً لما جاء على لسان متحدّث بلسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس. وأشار المتحدثً إبراهيم كاليان إلى أنّ بلاده «تشعر بقلق بالغٍ حيال اتفاق وقف إطلاق النار، بسبب استمرار القتال قبل ساعاتٍ من سريان الاتفاق».