قد لا يريد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، رقيباً على قراراته؛ هو الذي عطل انتخاب البرلمان لأكثر من عام ونصف بعد وصوله إلى السلطة، لكن أن تغيب الرقابة عن أموال الدولة، فهذا الأمر يبدو مستغرباً في ظل صمت رسمي ودفاع إعلامي عن قرارات «الجنرال».

ومباشرة، وبعد وصول السيسي إلى السلطة بأيام قليلة، أعلن تدشين صندوق «تحيا مصر» من أجل دعم الاقتصاد عبر تبرعات المصريين داخلياً وخارجياً، وبدأ بنفسه بعد أسابيع قليلة حينما توجه إلى أحد فروع البنك الأهلي متنازلاً عن نصف ثروته ونصف راتبه خلال مدة رئاسته، وفق التصريحات الرسمية الصادرة عن الرئاسة في تلك الأيام. وقيل إن الصندوق جمع في الشهور الأولى ما يفوق عشرة مليارات جنيه، غالبيتها من رجال الأعمال والشركات التي سارعت إلى الاستجابة لدعوة الرئيس الذي اختار 306306، رقماً لاستقبال التبرعات، حتى يذكّر المصريين بتاريخ خروجهم ضد «جماعة الإخوان المسلمين» في الشارع والمطالبة بإسقاط حكمهم.

حتى الآن لم تعلن موارد الصندوق بوضوح وشفافية للرأي العام

لكن، بعد خمسة أشهر تقريباً أصدر السيسي قانوناً ينظم طبيعة عمل الصندوق الذي صار تابعاً لرئيس مجلس الوزراء، مع أنه بقي في الحقيقة تابعاً للسيسي لا لرئيس الحكومة أو مجلس الأمناء المشكل من رجال أعمال ووزير الاستثمار بصفته. فالصندوق الذي حصل على خمسة مليارات جنيه في موازنة العام المالي من أموال الدولة، يخرج السيسي بين حين وآخر ليعلن توجيه جزء من أمواله إلى أنشطة اقتصادية لمصلحة محدودي الدخل، كأن على المصريين أن يتبرعوا لمحدودي الدخل في وقت تتخلى الدولة فيه عنهم تدريجاً برفع الدعم.
حتى الآن لم تعلن موارد الصندوق بوضوح وشفافية للرأي العام، برغم خضوعه وفق قانون تنظيمه لرقابة «الجهاز المركزي للمحاسبات»، بالإضافة إلى سرية وجهات الأموال التي تنفق، فيما توالى ثلاثة أشخاص، منهم ضابطان سابقان، على تولي الأمانة العامة التي من شأنها توجيه الأموال.
القانون الذي حدد دور الصندوق بمعاونة أجهزة الدولة في إقامة المشروعات الخدمية والتنموية، وضع تقدير هذه المشروعات لمجلس إدارته، لكن الغريب أن المجلس استجاب لدعوة السيسي في توجيه جزء من مخصصاته للإسهام في إنشاء وحدات سكنية لمحدودي الدخل، وهي الوحدات التي يجري بيعها بسعر التكلفة وبالتقسيط، ما يعني أن الجهاز خرج عن الدور المرسوم له في إقامة المشروعات التنموية لمرحلة إعادة الأموال مرة أخرى بعد مدة، وهو ما يطرح تساؤلات عن قانونية إسهام الصندوق في مثل هذه الأعمال.
اللافت أن المدير التنفيذي للجهاز، اللواء محمود العشماوي، أدلى بتصريحات متناقضة عن العائد من دعوة السيسي إلى التبرع للصندوق في اليوم الأول، فقد أعلن مراوحة العائد بين مليون ومليوني جنيه، فهل يخرج رئيس «الجهاز المركزي للمحاسبات»، المستشار هشام جنينة، ويكشف أوجه إنفاق مليارات الصندوق التي لا يعرف عنها المصريون شيئاً، باعتباره الجهة الرقابية الوحيدة التي من حقها متابعة أوجه إنفاق تبرعات المصريين على أنفسهم، وهو الذي وقع في الخلاف الأخير مع الرئاسة، أم لا؟