دمشق | الحكاية بدأت قبل عدة أشهر، عندما تصدرت أخبار المواجهات المسلحة الدائرة على أرض مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، مجمل التقارير الإخبارية لغالبية الوسائل الإعلامية العربية والعالمية. لم تصمد عاصمة اللجوء الفلسطيني الممتدة على الخاصرة الجنوبية للعاصمة السورية دمشق، في وجه هجمات «الجيش الحر» بمساندة عناصر من المجموعات الإسلامية المتطرفة. أما الوعود التي قدمها قادة المعارضة المسلحة للسكان المدنيين، بالتقدم عبر أرض مخيمهم للوصول نحو مركز العاصمة دمشق فقط، فذهبت جميعها أدراج الرياح. الآلاف من مسلحي «الجيش الحر» نجحوا في تحويل أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني في العالم أجمع، إلى قاعدة عسكرية لعملياتهم ضد قوات الجيش النظامي.

سرعان ما حاولت قوى سياسية عربية وعالمية، استثمار أحداث المخيمات الفلسطينية في سوريا، لكسب ورقة ضغط إضافية على النظام السوري، عندما حملته المسؤولية كاملة عن حالة الفلتان الأمني. في الوقت نفسه، تراجع حضور الغالبية العظمى من فصائل المقاومة الفلسطينية، واقتصر دورها على إصدار بيانات الشجب والاستنكار. هذا ما يبرر ارتفاع حدة النقمة لدى سكان المخيمات على الفصائل الفلسطينية، واتخاذهم القرار بالاعتماد على أنفسهم، عندما نظموا صفوفهم ضمن عدد من المؤسسات الإنسانية المحلية الشعبية مثل: «هيئة فلسطين الخيرية»، و«مؤسسة جفرا»، و«مؤسسة بصمة»، و«الهيئة الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني». اقتصرت مجمل أعمال هذه المؤسسات على إغاثة المنكوبين، وتقديم المساعدات الإنسانية والصحية، وتنظيف مخلفات الدمار، بينما تتفرد «الهيئة الوطنية الفلسطينية» بالعمل على مدار الساعة، في محاولة جادة من كوادرها لإعادة الهدوء والأمان إلى المخيمات الفلسطينية كافة، بهدف إقرار هدنة وفض اشتباك، عبر التحاور مع قادة ميدانيين من المعارضة المسلحة من جهة، وأسماء رفيعة المستوى عاملة في الأمن والجيش النظامي من جهة أخرى.
أبو محمد، عضو مؤسس «للهيئة الوطنية الفلسطينية» وله دور ميداني بارز، فصّل لـ«الأخبار» الأحوال السيئة التي يعيشها مخيم اليرموك، قائلاً: «لا يميز القنص من كافة المحاور بين مدني أو عسكري، أو بين طفل أو امرأة أو حتى عجوز مسن. منذ نحو شهرين لم يتوقف القصف من جميع الجهات على المخيم. هذا ما حوّل توفير القبور للقتلى من أوليات هيئتنا». يشرف أبو محمد على توفير نحو50 قبراً أسبوعياً في مقبرة اليرموك الجديدة، وذلك تلبية لاحتياجات الظرف الراهن، وعدم قدرة أكثر اللاجئين على دفع ثمن القبر. «في مناطق بعيدة محاولاتنا مستمرة على مدار الساعة، نسعى عبرها إلى إقناع أطراف الصراع بوقف إطلاق النار المتبادل، وإبعاد جميع المظاهر المسلحة عن أرض المخيم، لكنها تفشل دائماً»، يضيف. مجمل الأخبار والشهادات الحية، التي يحملها معهم سكان المخيم المنكوب، في رحلة لجوئهم ونزوحهم الجديدة، تؤكد أنّ النظام السوري قد حسم خياراته العسكرية عندما قرر فرض حصار محكم على جميع المداخل والمخارج والطرق الفرعية، بدلاً من اقتحامه وتدميره بالقذائف المدفعية. لا يسمح عناصر الحواجز الأمنية التابعة للنظام السوري، بإدخال مادة البنزين أو الديزل تحت أي ظرف كان إلى داخل أرض المخيم، ويسمح بإدخال ربطة خبز واحدة فقط لكل عائلة، وكمية ضئيلة جداً من المواد الغذائية والطبية، كي لا تصل إلى عناصر المعارضة المسلحة. وتخضع حركة دخول المدنيين إلى المخيم أو خروجهم منه، لآلية تفتيش دقيقة جداً، ترغم البعض على الانتظار ساعات طويلة أمام الحواجز. هذا ما أصاب مجمل آليات الجيش الحر والمعارضة المسلحة داخل المخيم بالشلل التام، وضيّق الخناق على عناصره التي عوضت عن ذلك بعمليات سلب ونهب وسرقة ممتلكات البيوت والمحال التجارية، كما يخبرنا الحاج محمد أبو اللبن (64 عاماً) من سكان حارة الجاعونة وسط المخيم. «كل ما يحدث في مخيّمنا اليوم من سرقة ونهب وتدمير بطيء، يبقى أفضل من أن يقتحمه الجيش النظامي، لأنه من المؤكد في حال اقتحامه وتطهيره من العصابات المسلحة، ستحدث مجزرة كبيرة، ليس المهم أياً من طرفي الصراع سيرتكبها، لكن المهم هو التطورات الإقليمية والسياسية التي ستعقبها، والتي ستزيد من الأزمة السورية تعقيداً، ومن معاناتنا نحن اللاجئين الفلسطينيين قهراً وألماً».
وأكد الحاج الفلسطيني صحة الأخبار التي تتهم حركة «حماس» بتجنيد وتسليح شبان ومتطوعين من أهالي مخيم اليرموك، لإشراكهم إلى جانب عناصر «الجيش الحر» في القتال ضد النظام السوري. «يبدو أن تصريحات زعماء حركة حماس السياسية بعيدة كل لبعد عن الصحة والصدقية. جميعهم يحاولون تكذيب تورطهم في الحرب السورية، لكن ماذا تسمي خضوع جبهة بلدية اليرموك لعناصر حركة حماس؟ العشرات من أبناء المخيم غرر بهم مقابل 8 آلاف ليرة سورية للشاب الأعزب، و12 ألف ليرة للرجل المتزوج دفعها لهم عناصر من حركة حماس بهدف تطوعهم وتدريبهم وضمهم إلى القتال لاحقاً إلى جانب عناصر جبهة النصرة والجيش الحر».