حلب | نساؤها مهووسات بالنظافة المنزلية، واشتهرت تاريخياً بأنها أنظف من إسطنبول عاصمة السلطنة العثمانية. اليوم تراكمت القمامة في حلب إلى درجة باتت تهدّد الصحة العامة. لكن مئات المتطوعين كان لهم رأي آخر. ناشطون وجمعيات أهلية قرروا القيام بحملة واسعة لتنظيف المدينة أطلقوا عليها اسم «حوسة حلب». والحوسة باللهجة الحلبية كلمة تدلّ على تنظيف المنزل، بالتعاون مع محافظة حلب ومجلس مدينتها.

مئات المتطوعين، وبينهم فنانون ورياضيون وأطباء ومهندسون ومن مختلف شرائح المجتمع، توجهوا منذ الصباح الباكر إلى النقاط المتفق عليها في الأحياء التي لا ينتشر فيها المسلحون، وبدأوا بتوزيع الأدوات والشارة المميزة للحملة، وانطلقوا نحو الشوارع الفرعية لجمع القمامة في أكياس كبيرة، وتجميعها في الشوارع الرئيسة تمهيداً لنقلها خارج المدينة.
لاعب كرة السلة الشهير جاك باشاياني تلقى دعوة من صديق فحضر مع أصدقائه في التاسعة صباحاً، قال «نحاول فعل شيء مفيد لمدينتنا في هذه الظروف الاستثنائية، طبعاً تنظيفنا اليوم لا يكفي، الالتزام الفردي بالنظافة والتوعية هما الأفضل».
آلاء المقيمة في حيّ المحافظة قالت: «العمل الأهلي ضروري جداً في ظرف الحرب. شعرنا بقيمة النظافة وعمال النظافة. الدولة لا تستطيع وحدها فعل كل شيء، لا بد أن نتكاتف لنحسّن شروط الحياة في مدينتنا».
عائلات كثيرة شاركت بكامل أفرادها؛ نوار حضرت مع زوجها وطفليها، معتبرةً أنّ «الفرد والأسرة هما أساس كل تغيير في المجتمع. نحن نعبّر عن حبنا لمدينتنا أولاً، ونغرس قيم التعاون والعمل الأهلي في نفوس الأطفال».
ريمون المقيم في حيّ الميدان قال: «للأسف لم أشارك في الحملة. عدت من عملي مساءً، ففوجئت بنظافة الشارع الرئيسي في الحيّ، وترحيل تلة من القمامة قرب بيتي تراكمت منذ أسابيع. سعدت كثيراً، ولو كنت موجوداً لعملت معهم».
السماء أكرمت المشاركين؛ ففي برنامج الحملة كان مقرراً «شطف» الشوارع بعد الانتهاء من جمع القمامة، حيث نابت عنهم السماء بمطرها الربيعي، حيث انهمر لساعتين بغزارة لم تشهدها المدينة منذ سنوات.
الحملة هي الأولى من نوعها على مستوى المدينة ككل، منذ دخول المسلحين إليها واضطراب عمل مصلحة النظافة في بلديتها، وإن كانت سبقتها حملات على مستوى أحياء فقط كالسليمانية والسريان.
ويسعى القائمون عليها إلى تكرارها لتشمل جميع المناطق، بما فيها التي ينتشر فيها المسلحون. محافظ حلب ورئيس مجلس المدينة شاركا مع مجموعة من الموظفين الإداريين في الحملة، ووعدا بتقديم دعم أكبر في المستقبل.
الحملة تتم بالتعاون مع محافظة حلب وبلديتها التي فقدت عشرات سيارات النظافة التي أحرقها المسلحون واستخدموها لقطع الطرقات بداية اجتياحهم لعدد من أحياء المدينة.
الوقود مشكلة بالنسبة إلى مجلس المدينة الخاضعة لحصار حقيقي، حيث وصول صهاريج المازوت محفوف بمخاطر كثيرة، ما يفرض على أصحابها دفع أتاوات باهظة للمسلحين مقابل مرورها، حيث وصل سعر ليتر المازوت إلى 200 ليرة.
مسؤول في قطاع النظافة في مجلس المدينة قال «فقدنا عشرات السيارات، منها ما تم حرقها أو سرقة إطاراتها وأجزاء منها، وبعضها تمّ نقلها إلى مناطق خارج المدينة». وأضاف «نحاول أن نستثمر الآليات الموجودة بأقصى طاقة ممكنة من دون تفريق بين أي حيّ وآخر، فعمالنا يعملون في كل حلب وفي الأحياء التي ينتشر فيها مسلحون».
وكما هي العادة منذ سنتين، تحولت الحملة رغم نجاحها اللافت إلى خلاف بين السوريين. فالمؤيدون، وهم غالبية من شارك حيث اقتصرت على الأحياء التي لا ينتشر فيها المسلحون، استنكروا قيام المعارضين ببثّ فيديوات لنشاط المتطوعين على موقع «يوتيوب» تنسب «حوسة حلب» إلى المعارضة والجيش الحر.
فراس، وهو طالب جامعي، قال «الحملة كانت شفافة في تقديم نفسها. لم تضع علم سوريا الوطني في شعارها وصفحتها على فايسبوك، لأنهم لا يريدون تسييس الأمر، بل يريدونها فعلاً إيجابياً يتفق عليه المواطنون ويمس حياتهم، بينما هم (المعارضة) سيّسوها بشكل مخادع».
في المقابل، رأى فؤاد، وهو معارض يقيم في حيّ الحيدرية، أن «حملة النظافة هي لتلميع صورة النظام، وهي تقليد لما قمنا به في حيّنا قبل شهور، بالتعاون مع المجاهدين. النظام لا يهتم بنظافة حيّنا وجبهة النصرة هي من يقوم بالتنظيف».