النظام هُزم ــ نظام القبضة الأمنية المسلّطة على الشعب السوري وقواه السياسية ــ ولا توجد أي قوة، لا أرضية ولا سماوية تستطيع إعادة عقارب الزمن إلى الوراء.

السوريون اليوم يدركون أنهم رموا إلى مقبرة التاريخ الماضي الذي عاشوه خلال أربعين عاماً، فقراً ونهباً وقمعاً وذلاً. لكنهم يدركون أيضاً أنهم يعيشون وسط المخاطر، ومصيرهم ومصير بلدهم مفتوحان على كل الأسئلة، وتنهشهما شتى الاحتمالات، التي تطال يومهم وغدهم!

النظام

لم يعد هناك من مزيد للقول في النظام السوري. فنظام الطغمة الأمنية الذي جرّع الشعب السوري الويلات خلال سنتين أصبح فاقداً لأي شرعية، وهو الذي فاق في استخدام العنف كل حدّ. ولقد جرّ عنف النظام المجتمع إلى أوضاع مأساوية لم تعرفها بلادنا في طول تاريخها، فتم تهجير الملايين من بيوتهم وقراهم ومدنهم بحكم التدمير المتواصل، ورميهم إلى وحش الفاقة والذل في الداخل السوري وإلى دول الجوار! لا يوجد أي هدف سياسي مهما سمت غايته يبرر القتل. ويبدو أن هيستيريا البقاء بأي ثمن تدفع النظام إلى القيام بأي جريمة، وتدفع معه الآلاف من أبناء الأقليات عموماً وأبناء الساحل السوري خصوصاً للقيام بكل الأدوار الأمنية والعسكرية بحكم قوة التضليل الذي مارسه النظام عليهم خلال أربعين عاماً، وأوحى لهم بأنه «نظامهم»، بينما كان في حقيقة الأمر تسلطاً عليهم كما كان تسلطاً على الشعب السوري برمته.

الجيش الحر

على المقلب الآخر، مقلب الثورة، تبدو الصورة متشابكة ومعقدة. فالجيش الحر يعاني من تشتت وتشرذم لا تحتملهما المهمات الكبيرة التي يلقيها على عاتقه. كذلك فإن طول الصراع العسكري مع النظام أعطى الفرصة لظهور الأحشاء الفاسدة في المجتمع، لتعميم نزعات طائفية لا تخفي نفسها!
ويبرز مع الزمن الاتساع المتنامي للجماعات السلفية الجهادية التي تضع نفسها خارج أطر الجيش الحر؛ فهي ترمي إلى إقامة دولة إسلامية على الطريقة الوهابية أو الطالبانية!
هكذا أفرزت الثورة السورية ثورتها المضادة من رحمها، وهكذا يجد الشعب السوري وثورته نفسيهما أمام خطرين: استبداد النظام المزمن، واستبداد السلفيين في المناطق التي يسيطرون عليها. لعب المال الخارجي دوراً أساسياً في تمويل مجموعات الجيش الحر، وهذا التمويل الخليجي ــ التركي ــ الأميركي يشكّل خطراً آخر على الثورة السورية. وعلى المتابع أن يكون ساذجاً أكثر مما ينبغي ليعتقد أنه تمويل مجاني، هكذا لوجه الله! ولا يمكن إلا الربط بين التمويل الخليجي مثلاً وزيادة المنسوب الطائفي المنحطّ في أوساط العديد من المجموعات والكتائب المسلحة... وهذا كله يتوافق مع التوجه الأميركي في المنطقة، الذي يرمي في جملة ما يرمي إليه إلى تقسيم دولها إلى دول «مكونات»، تسهل الهيمنة عليها من جهة، ومن جهة ثانية يقدم خدمة ما بعدها خدمة للدولة الدينية الوحيدة في العالم، والحليف الأوثق للولايات المتحدة الأميركية: إسرائيل.
كل ما سبق يطرح السؤال عن الثورة؟ هل ما زالت ثورة أم تحولت نقيض ذلك؟

التدويل

أصبح معروفاً أن المسألة السورية لم تعد سورية. أصبحت جزءاً من صراعات الإقليم. فسوريا اليوم هي الخاصرة الرخوة في المنطقة، وكل قوة إقليمية أو دولية تريد أن تؤمن مصالحها، وتوسّع نفوذها إن أمكن.
لا شيء يدعو إلى الاعتقاد أن القوى الاقليمية والدولية ستقبل أي منها بالهزيمة في حلبة الصراع هذه. وفي وضع كهذا، لا يبدو أن أي حسم عسكري ممكن في المدى المنظور، أي إن هذا الوضع يفتح الباب على صراع طويل، وعلى اهتراء كيان الدولة. وفي النهاية سيؤدي ذلك بنا، شاء من شاء وأبى من أبى، إلى التقسيم؛ تقسيم معلن، أو الى تقسيم قائم واقعياً، وغير معلن... على الطريقة العراقية!

انسداد

في وضع كارثي على المستوى الانساني، وكارثي كاحتمالات للمستقبل، يبدو أن المخرج السياسي هو الذي تتعلق به آمال السوريين اليوم. ورغم أنه لن يكون إلا بتوافق إقليمي ودولي، فإن هذا يشكل لهم مخرجاً، لأنه يعفيهم من الأسوأ: استمرار القتل، والدمار، والذهاب إلى التقسيم.
غير أن هذا الحل يصطدم بعقبتين: الأولى عدم استشعار القوى الدولية الحاجة الى إيجاد هذا المخرج حتى الآن، والعقبة الثانية هي تصلّب النظام.
ثلاث ملاحظات غير هامشية:

1_ لمن نتركها؟ لجبهة النصرة!

أجبر عنف النظام عشرات الآلاف من النخب على مغادرة سوريا باتجاه العديد من البلدان. هؤلاء ثروة حقيقية لبلدنا ولمستقبله بما يحملونه من رؤى، ومشاريع، وآمال ديمقراطية، ومتنورة، وعلمانية. مكانهم الحقيقي هو هنا، في بلدهم، في لحظاته العصيبة هذه. نرجوهم أن يفكروا في العودة... إذا كانت ظروفهم الفردية ــ بالطبع ــ تسمح بذلك.

2_ أخلاق السياسة

في همروجة المعارضة الخارجية التي تعجّ بالمنتفعين والانتهازيين والقابضين (على الدولار وليس على الجمر) يبرز اسم الشيخ أحمد معاذ الخطيب الذي قدّم أكثر من مبادرة مسؤولة لحقن الدم السوري، ولخشيته من تقسيم بلدنا، متجاوزاً أطر الائتلاف الذي يرأسه. اصطدمت مبادرتاه بالصلافة المستبدة للنظام، وجرّت عليه حملة شعواء من أبناء الائتلاف نفسه. خلافنا مع التحالفات الخارجية ــ ومنها الائتلاف ــ ليس جديداً، ولكننا نريد أن نحيّي حسّ المسؤولية الوطنية لدى هذا الرجل، لإيماننا بأن السياسة إن فقدت جانبها الاخلاقي لا تعود سياسة، تصبح تجارة، تجارة بالبلاد ودم العباد. شكراً معاذ الخطيب.

3_ أين اليسار!

نسمع من وقت إلى آخر أصواتاً صديقة، حريصة من الخارج، تنادي بكثير من الملامة والألم: أين اليسار في هذه الثورة التي تُرفع فيها رايات المتدينين والسلفيين، علماً بأنها تزخر بثوار من كل الميول والتلاوين السياسية؟
الجميع يعرف كيف كانت الثورة في مرحلتها الأولى سلميّة، وكان لليسار السوري بكل أطيافه وجميع مستوياته العفوية والمنظمة دور فاعل. غير أنها منذ بدأ التسليح أصبح واضحاً أنها مكلفة، عندها راحت الأموال التركية والقطرية والسعودية والأميركية تهطل زخاً على مختلف المناطق، وتسلمت جماعة الإخوان المسلمين دفة الأموال، وراحت توزعها حسب أهوائها في محاولة (نجحت) لتقوية المجموعات المتدينة. خلال سنة ونصف السنة من ضخ الأموال، أصبح الإخوان المسلمون طرفاً أساسياً (وكان تأثيرهم قبلها صفراً في الداخل السوري). في سياق لاحق عملت المجموعات السلفية الجهادية المموّلة بالمبالغ الطائلة من السعوديين (سلطة وشيوخاً) على ترسيخ نفوذها وتوسيعه، ودفعت المرتبات الأعلى للمقاتلين، رغم أن أغلبهم لا علاقة لهم بتوجهاتها الإيديولوجية.
معلوم أن هناك اليوم آلاف المعتقلين اليساريين والمتخفين والمفقودين، فضلاً عن الشهداء، كما أن هناك المئات من العاملين في حقلي الإغاثة والطبابة، إضافة إلى النشاط السياسي أصلاً. غير أن الضخ الهائل للأموال وضع دور اليسار كله في خانة أخرى! كما وضعه أمام السؤال: أين يجد نفسه؟ وهو لا يقبل أن يرتشي ويرتهن لأحد من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان لا يملك الأموال فلا مكان له في مطبخ المجموعات المغزّوة بالدولار الأخضر.
البارحة أفسدت أموال الخليج والسعودية الثورة الفلسطينية، واليوم تفسد الأموال الخليجية والسعودية والتركية والأميركية الثورة السورية... فعلى أي جانبيه ــ اليسار السوري ــ يميل!