منذ بدء الاحتجاجات بوجه الحكومة العراقية، أريد للاعتصامات أن تظهر أن الانقسام طائفي بين محتجين «سنّة» وحكومة «شيعية». وأدت مواقف المعنيين إلى تجسيد الانقسام السياسي على أنه طائفي بامتياز، حتى جاءت أحداث ساحة الاعتصام في «الحويجة» لتصبّ زيت «الفتنة» على «هشيم» الطائفية في البلاد. أحداث الحويجة التي تطورت إلى تصادم عسكري بين المعتصمين والجيش العراقي أخرجت الاعتصام المستمر منذ أربعة شهور عن سلميته، ووضعت مطالب المعتصمين بإطلاق سراح السجينات والمعتقلين الأبرياء ومقاضاة «منتهكي أعراض» السجينات وقانون الإرهاب واجتثاث البعث، فضلاً عن تغيير مسار الحكومة، في مهب النسيان.


وهو ما أكده مقرر مجلس النواب محمد الخالدي أمس، الذي أوضح أن مقاطعة بعض الكتل لجلسة مجلس النواب لمناقشة القوانين التي أحالها مجلس الوزراء وتعبّر عن مطالب المتظاهرين، أدت «إلى تأجيلها وعدم إمكانية إقرارها، على رغم أن الكتل ادّعت أنها مع تشريع هذه القوانين».
ولفت الخالدي إلى أن «القوانين التي وصلتنا من الحكومة هي تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية، وقانون حجز ومصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لأزلام النظام السابق، وقانون التعديل الاول لقانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة»، وهي المطالب التي يصرّ المتظاهرون على تنفيذها.
وخلافاً لما تحاول بعض وسائل الإعلام الإيحاء به، فإن حكومة نوري المالكي لا تحظى بدعم «شيعي» كامل، ولا هناك إجماع سنّي على حراك المناطق الغربية. مواقف السيد مقتدى الصدر تبدو نموذجية في هذا السياق؛ فمنذ بدء الاعتصامات، وقف الصدر إلى جانب مطالب المعتصمين، وعمل في فترة من الفترات على تعليق عمل وزرائه في الحكومة لزيادة الضغط على المالكي للرضوخ لمطالبهم. وفي أزمة «الحويجة»، لم يخرج الصدر عن خطابه المعلن منذ بدء الازمة السياسية في كانون الاول الماضي، وأعلن بوضوح وقوفه إلى جانب المعتصمين، مندداً باستعمال السلاح في وجههم. وقال الصدر، في بيان، إن «حرمة الدم العراقي (واجب) على كل الأطراف»، مهيباً بـ«الحكومة، وعلى رأسها المالكي، أن تحكّم العقل ولا تجر العراق إلى هاوية العنف والتقسيم».
كذلك كان موقف المرجع علي السيستاني شديد الوضوح برفضه الاقتتال الطائفي، ولذلك أفتى بحرمة الدم العراقي بشكل عام والدم السنّي بشكل خاص. كذلك أدان كل من يسفك دم العراقيين، محمّلاً إياه مسؤولية الدم الذي يراق، وهو ما بدا كأنه «هجوم» على تصرفات الحكومة بوجه المعتصمين.
هجوم القطبين البارزين في الطائفة «الشيعية» قابله موقف «سنّي» متضامن مع الحكومة، مع إعلان رئيس مجلس صحوة العراق، وسام الحردان، تهديداً صريحاً للمسلحين في محافظة الأنبار بالعودة إلى أيام معارك 2006، وهو ما اعتبر دعماً لجهود الحكومة والجيش في «لجم» المسلحين في الاقليم.
كذلك جاء انسحاب عدد من شيوخ ووجهاء محافظة الأنبار من ساحة الاعتصام في الرمادي، استنكاراً لمقتل 5 جنود على أيدي مسلحين في الساحة، داعماً لمواقف التهدئة في البلاد.
شيوخ العشائر أعلنوا صراحةً رفضهم تجيير «ساحات الاعتصام لمآرب سياسية»، لأنها «وجدت لتحقيق المطالب المشروعة للمعتصمينأ، وأنها سلمية وستبقى سلمية إلى حين تحقيق المطالب المشروعة». وأشار البيان إلى أن «الانتقادات التي وجهها ممثلو المرجعية في خطبهم الدينية للممارسات السلطوية هي برهان على أن الممارسات الطائفية في استهداف فئة كبيرة من أبناء الشعب العراقي أصبحت مستهجنة من الجميع ولا تحظى بأي غطاء أخلاقي أو شرعي».
حتى إن عدداً من عشائر محافظة الانبار أعلنت تشكيل قوة عشائرية لمساندة الأجهزة الأمنية وحماية ممتلكات الأنبار من المجاميع المسلحة تحت اسم «جيش العزة والكرامة». وأعلن خطيب الجمعة في ساحة الاعتصام في الرمادي الشيخ حامد الكبيسي أن جميع الفصائل المسلحة والاتحادية التي شاركت ولم تشارك في المصالحة الوطنية التي نظمتها الحكومة انضمت إلى هذا الجيش.
وبين هذه المواقف، جاء موقف الوقفين «السنّي» و«الشيعي» ليؤكد أن الخلاف في البلاد سقفه سياسي بامتياز. الوقفان حاولا جاهدين إيجاد مخرج لتصاعد التوتر لمنع انجرار البلاد نحو «مستنقع مجهول». كذلك حذر رئيس الوقف السنّي عبد الغفور السامرائي والشيعي صالح الحيدري من «مخططات خبيثة ومؤمرات لعينة يراد منها جر البلاد إلى النزاعات الطائفية والاقتتال الاهلي».
ولا يمكن التغافل هنا عن موقف حلفاء المالكي من القائمة العراقية، وفي مقدمهم صالح المطلك، من الذين وقفوا إلى جانب الحكومة منذ اليوم الأول، وإن اضطرهم التحريض الذي مورس على الشارع إلى التمايز عنها في بعض التفاصيل.
وحده إقليم كردستان وجد في أجواء البلاد المشحونة فرصةً للوصول إلى غاياته بالسيطرة تدريجاً على محافظة كركوك المتنازع عليها مع الحكومة الاتحادية. حكومة الاقليم سارعت إلى نشر جيش البشمركة على أطراف المدينة «لمنع الفلتان الأمني»، خطوة اعتبرها الجيش العراقي استفزازية ويمكن أن تؤدي إلى معارك بين الجانبين بعد التوتر الاخير في كانون الاول من العام الماضي.
الخطوة الكردية الجديدة «المدروسة جيداً» من قبل الاقليم لم تجد فقط اعتراض الحكومة العراقية المركزية، بل «استفزت» أيضاً الكتلة التركمانية التي رأت أن الاقليم استغل الاحتجاجات في كركوك لمآرب سياسية.
وسط كل هذه الاجواء، صارت الدعوات تركز فقط على «درء» الفتنة الطائفية، فيما سقط من التداول كيف يمكن إنهاء الازمة السياسية من أساسها عبر تلبية مطالب المعتصمين.