مخيّم إربد | تدقّ الساعة السادسة أجراسها، معلنة معها انتهاء يوم عمل شاق آخر. أسير باتجاه مخيم إربد الذي يقع وسط المدينة التي يحمل اسمها في الشمال الأردني، متعباً، منهكاً. أخرج ما في جيبي من نقود وأفكر مراراً في أنسب و"أذكى" طريقة يمكن بها أن أصرف بعضاً من الاثني عشر ديناراً التي أشقى لأجلها، وتوفير أكبر جزء منها... للمستقبل.

أكمل السير وأنا أدندن مقطعاً من أغنية بالإنجليزية لفيلم "البؤساء" لا أحفظ غيره منها، يأتي صوت من خلفي ينادي: "غزاوي"! أنظر خلفي لا أرى المنادي، لكني أدرك أنه لا بد صديق. فأنا معروف بين أصدقائي بـ"الغزاوي".
وكما ظننت، يظهر صديقي "أحمد" ليسأل مباشرة قبل السلام: "شيف محمود، شو صار معك بعمّان؟ لاقيت شغل؟". أنظر إليه مبتسماً، فهو يعلم جيداً، ومسبقاً، الإجابة. يُتبع السؤال بجملته المعتادة وسؤاله الاستنكاري الذي يعرف إجابته جيداً: "يا زلمي، لازم تكون غزاوي؟ إنتو الغزازوة مغضوب عليكم هون"! "مغضوب علينا في كل العالم على ما يبدو"، أفكر بيني وبين نفسي.
أبتسم مرة ثانية، وأخبره عن أختي التي أنهت دراسة هندسة إلكترونيات بمعدل جيد جداً قبل عام والتي ما زالت تنتظر أي فرصة عمل. أحكي له قصتها مع إحدى الشركات الضخمة في عمّان قبل مدة ورفضهم لها لأنها "غزاوية".
نعم يا سادة، أن تكون ممن يحمل جواز الإقامة المؤقتة الخاصة بأبناء قطاع غزة في الأردن، يعني أن تجد صعوبة قد تصل إلى حد المستحيل في الدراسة والعمل. وأحلامك التي ترجو تحقيقها مع الوقت ستذروها الرياح، ليبقى الحلم الوحيد المباح أمامك: أن يعجّل الله في أخذ أمانته. فالحكومة الأردنية لا تعترف بأبناء غزة؛ فمثلاً عند نصّ القانون الذي يمنح الابن من أم أردنية كامل الحقوق المدنية (وحتى الجنسية) لم يُشمَل الغزيون من أمهات أردنيات. أما القطاع الخاص، فيرى فينا إرهابيين غير مرغوب فيهم على أقل تقدير.
قبل يومين ذهبت لأحد الفنادق في عمان، فقال لي المسؤول: "اه والله انت ما بتنفع عنا لأنك من غزة ولأمنيّات المكان ما بنقدر نشغلك". يكمل أحمد حديثه عن نادي الجليل الرياضي "النادي الخاص بالمخيم"، الذي يلعب أحمد ضمن صفوفه كرة القدم. يشكو المشاكل المالية الجمّة التي يواجهها النادي، ويقول إنهم تخلفوا عن دفع أجره وأجر اللاعبين منذ قرابة عام. وبنهاية حديثه يقول إنهم سرقوا حلمه منذ الصغر بأن يلعب للمنتخب الوطني، وإنه لم يعد يرغب في الاستمرار في هذه الرياضة. أفكر بيني وبين نفسي أي منتخب فيهما؟ وأي وطن؟ لكني لا أشاركه أفكاري هذه، فما الفائدة على أي حال؟
أخرج هاتفي وأتصل بصديقنا محمد، فيقول إنه بمقبرة المخيم. ذهبنا إليه لنجده وقد أشعل مصباح هاتفه النقال وهو يبحث بين القبور. صحنا به: "شو بتعمل قاعد؟". صمت قليلاً، وقال: "بدي أشوف إذا إحنا ميتين وهي أشباحنا أو البؤس اليومي يلي بنعيشه حقيقي يا صاحبي؟"، وضحك بصوت مرتفع، ثم أشار إلى أحد القبور وقال: "هذا قبر فلان الفلاني، بتذكره؟ كان زميل لنا خلال الدراسة، لكنه غبي انقتل وهو يبحث عن الحوريات في سوريا"، ثم لاك فلتر السيجارة متحسراً، ليصرخ بعدها بصوت مرتفع: "وين احنا منشان الله؟"، أجبته بعد التفكير لوهلة: "احنا من الناحية الجغرافية، في الشرق الأوسط. واجتماعياً، على الهوامش. أما روائياً، فنحن نسير للموت بشكل جيد إلى حد ما".
محمد لا يختلف عنا، فهو يواجه أيضاً المشاكل ذاتها مع العمل والدراسة وعائلته الكبيرة التي تحتاج إلى نقود لا يدري من أين سيؤمنها. حاله أيضاً مثل حالنا جميعاً في المخيم، لا يملك ثمن الخبز ويحلم بمصاريف الدراسة!
في تمام الساعة الحادية عشرة نودع بعضنا ونفترق بسرعة لتجنب دوريات الشرطة أو مكافحة المخدرات. هذا بالطبع لأننا لا نحمل إثبات الشخصية. وبهذا قد نصير مشبوهين لأتفه سبب، ولن يضيع أحد يوم عمله أو نوم ليلته ليخرجنا من المركز الأمني. نذهب للنوم، لعلنا نجد به أحد الأحلام التي يمكن تحقيقها بهذه البلاد الضيقة، وللاستعداد ليوم عمل شاق آخر يبدأ بالكثير من الأحلام والطموحات وينتهي بتدميرها ودفنها.
ما نعانيه هنا وربما ما يعانيه اللاجئون مثلنا في كل العالم، يولّد قسوة القلب. ومع ذلك، قلبي لا يزال قلب طفل في الخامسة، يعبر الحدود إلى تلك البلاد القريبة من القلب والعين، البعيدة عن أن أصلها أو تصلني، ويشير بالوسطى للكوكب بأنه موجود رغماً عنهم جميعاً.