الجزائر | بين حين وآخر، أجلس في الحديقة الخلفية للدار التي أسكنها، في منطقة الديس بوسعادة، منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث تبعد عن الجزائر العاصمة مسافة 242 كلم جنوباً...

أجلس لأمتّع عيني بمشهد لسلسلة من الجبال الجرداء الجميلة، ما زالت تدهشني بتبدّل ألوانها كلما تبدّل الطقس من حولها. هي ذاتها الجبال التي جذبت منذ عقود مضت عدة فنانين مستشرقين، أهمهم ايتان ناصرالدين دينيه، الذي فضّل بوابة الصحراء هذه على أي منطقة أخرى من العالم ليعيش ويرسم ويُدفن فيها.
متعة العين هذه لم تمتع روحي بالكثير... فمهما اتسعت المساحات من حولي وآنسني لطف الجيرة الطيبة في هذه القرية الصغيرة، إلا أنني أشعر بضيق يطبق على صدري بين حين وآخر.
نعدّ الأيام معاً، أنا وأسرتي، حتى نصل إلى الرقم 60. عندها يكون موعد الرحلة التي تستغرق 3 ساعات بالباص من أجل تجديد الفيزا في مقرّ الولاية. هي عملية يجعل تكرارها من وجودنا هنا قانونياً، لكنها لا تعطينا أيّ حقوق في هذا البلد. فبسبب الظروف الاستثنائية في سوريا، كان حصولنا على إقامة في الجزائر أمراً مستحيلاً رغم كل الجهود التي بذلها والدي المعروف كفنان ونحات فلسطيني.
أقضي معظم أيامي في صالون البيت، أقرأ أو أرسم. وبفضل سلك أبيض طويل يمتد من غرفة ريما جارتي إلى غرفتي، أستطيع التواصل مع العالم. وبواسطة هذا السلك أيضاً، تمكنت من إنجاز العديد من رسوم كتب الأطفال لحساب دور نشر خارج الجزائر. إلا أن الأتعاب المادية لبعضها ضاعت أو تأجل إرسالها لأجل غير معروف، لعدم تمكني من فتح حساب مصرفي باسمي في الجزائر، والسبب أنه ليس لدي الإقامة.
قد لا تتوقف أهمية الحساب المصرفي على تسلّم بعض الحوالات البسيطة من هنا وهناك. لكن ورقة كشف الحساب هي من أهم الأوراق التي يجب أن ترافق أي طلب "فيزا" في حال فكرت في طرق أبواب السفارات.
سبق لي أن تخليت عن دعوتين للسفر خارج الجزائر، إحداهما لورشة عمل، لأني لم امتلك الوثائق اللازمة. كذلك فإني لم أتحمّل فكرة خروجي وعدم قدرتي على العودة إلى أسرتي الموجودة هنا. فعدم وجود إقامة يسمح لي بالخروج... لكن من دون عودة.
يرعبني مجرد تخيّل ضياعي وحيدة بين بلدان العالم... ويرعبني أكثر الانتظار...
لكنني سأنتظر مع المنتظرين، ربما بحظّ أوفر من غيري: عائلة محبّة وبرعمة أمل.