القاهرة | أعادت الوقفة أمام مقر جهاز أمن الدولة الرئيسي في مصر، مساء أول من أمس، التي دعا إليها الناشط السياسي حسام أبو البخاري، جهاز أمن الدولة الذي تغير اسمه إلى الأمن الوطني بعد الثورة، إلى الواجهة، بعدما غاب عن المشهد بفعل التجاذب السياسي الحاصل في مصر، وعن دور الجهاز الحالي وعمله.

وقال أبو البخاري، لـ«الأخبار»، إنّ الوقفة التي بدأت بمسيرة من مسجد رابعة العدوية، حتى مقرّ الجهاز الرئيسي في مدينة نصر وشارك فيها ألوف، وامتدت قرابة 3 ساعات، جاءت كـ«ردّ فعل على عودة النشاط الفعلي لأمن الدولة الذي لم يتغير سوى اسمه فقط»، وذلك عبر «تفعيل عقيدته الثلاثية في العمل ضدّ الثورة والثوار وضدّ الإسلاميين وولائه الثابت للنظام السابق»، مضيفاً أنّ فكرة زيارة المقرّ اقترحها بعد «اتصال ضابط به من الأمن الوطني بمنطقة الشيخ زايد من رقم هاتف قديم يعرفه لضابط برتبة مقدم هو محمد عبد الله، وذلك لجمع معلومات وتحريات طلبها الضابط».
وأضاف أبو البخاري: «لم أعط الأمر أهمية في البداية، ولكن بدأت في تصعيد الموضوع بعد تواتر معلومات وشهادات من أشخاص كثيرين بأن الأمن الوطني اتصل بهم مع تهديدهم واستخدام عنف لفظي، وكان هذا مع إسلاميين وغير إسلاميين، وهذا معناه أن هناك بداية عودة فعلية لعمل جهاز أمن الدولة بطريقته القديمة»، مبيناً أنّ «الغرض من هذه الزيارة تنبيه الرأي العام إلى أن هذا الجهاز كان حامي حمى (الرئيس السابق حسني) مبارك، ولا يزال يحتفظ بهذه العقيدة، وهو ضدّ الإنسان المصري عامة، وأن نوجّه رسالة إلى الإسلاميين الموجودين في الحكم والذين لم يخطوا خطوة واحدة ضد هذا الجهاز الذي قتل أبناءهم وانتهك أعراض نسائهم وسبب الجنون لبعضهم وبعض إخوانهم، كيف لا يحاسبون هذا الجهاز وهم في سدة الحكم؟». سيطر على مشهد الوقفة بشكل قوي الإسلاميون، على الرغم من أنّ دعوة أبو البخاري كانت عامة. لكن لم تخل المسيرات من مشاركات رمزية من غيرهم وتأييد شخصيات عامة كالشاعر عبد الرحمن يوسف والناشط علاء عبد الفتاح، وهو أمر أرجعه أبو البخاري إلى أن «الإسلاميين كانوا الأكثر إيذاءً وظلماً من هذا الجهاز»، وهو ما بدا جلياً من خلال الشهادات الكثيفة والأليمة لإسلاميين عذّبهم عناصر هذا الجهاز. ورسم بعض المشاركين في المسيرات نجمة إسرائيل على بوابة الجهاز، رافعين لافتات كتب عليها «أمن الدولة غوانتنامو مصر» و«يلا يا مصري انزل من دارك أمن الدولة هو مبارك»، قاذفين مقرّ الجهاز ببعض الألعاب النارية والطوب.
محاولة التشويه الإعلامي
وإذا كان ظاهراً للعيان أنّ أمن الدولة لم يقم بأي ردّ فعل قبل التظاهرة أو أثناءها، باستثناء بيان لوزارة الداخلية ينفي قيام الجهاز باستدعاء أحد، وقيام قوات الأمن المركزي بتفريق قرابة 20 فرداًَ بقنابل مسيلة للدموع حاولوا الهجوم على الباب المحصن بأدوات بدائية، مطلقين ألعاباً نارية في الهواء. إلا أن السلاح الأبرز كان هو محاولة التشويه الإعلامي، تارة بالإشارة إلى الحدث ومحاولة ربطه بذكرى وفاة اسامة بن لادن، وتارة أخرى بالإيحاء بأنّ المنظمين كانوا ينوون اقتحام المركز أو محاصرته.
وأرجع الباحث في شؤون الإعلام وتحليل الخطاب، أنس حسن، في حديث لـ«الأخبار» ذلك إلى الهندسة الأمنية للجهاز الإعلامي، من خلال السيطرة الأمنية «فلا بد أن ندرك أن الكيفية التي تؤدي هذا الدور كانت باختراق الصحف والمؤسسات الإعلامية من خلال اقامة صلات قوية بإعلاميين بارزين ومعدين ومحررين، تطورت هذه العلاقات في بعض الحالات الى صيغة أشبه بارتباط كاثوليكي لا تستطيع أن تفرق فيه بين فلان الإعلامي أو فلان نفسه العميل الأمني، الذي يخدم توصيات الجهاز، وهذه العلاقة لم تتغير كثيراً بعد الثورة».
العميد حسين حمودة، وهو ضابط سابق مستقيل من جهاز أمن الدولة وباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، قال لـ«الأخبار» إنّ «الدعوة للوقفة صحيحة، شرط أن تتوافر فيها عوامل موضوعية مجردة من المشاعر السلبية المتولدة من جراء خروقات جهاز أمن الدولة والمباحث العامة لحقوق المواطن المصري والحقوق الوطنية للدولة في السنوات السبع الأخيرة قبل الثورة»، مبيناً أن «كل أجهزة الأمن الداخلي في العالم تنفّذ اختصاصاتها من خلال أدوات وآليات من أبرزها: الاستدعاء والمناقشة والتحري والتفتيش السري والمراقبات والاختراق الإلكتروني، شرط أن تحصل كل هذه الأدوات وفق الضوابط القانونية التي ينظمها قانون العقوبات من جهة الداخل والقانون المنظم لعمل الجهاز».
بدوره، ارجع المحامي خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، في حديث لـ«الأخبار» «وجود الجهاز بنفس قوته وترسيخ أقدامه إلى المحاولة الناجحة من قبل المجلس العسكري للدفاع عن الجهاز وحماية هيبته والإبقاء عليه»، مستشهداً في ذلك بواقعة إخلاء سبيل 46 ضابطاً من الجهاز كان الجيش قد اعتقلهم إثر إطلاق ضباط منهم النار على الجيش والمتظاهرين في الإسكندرية، رغم صدور قرارات بالحبس، ولم يعرف السبب حينها. ورغم أن الوقفة كانت موجّهة ضدّ جهاز تتهمه جميع الأطراف بالنيل منها وبسوء الممارسات، حتى إن البعض عدّه مناهضاً للرئيس المصري محمد مرسي، لكن هذا لم يمنع من وجود مرسي في مرمى النقد؛ فمن بين الهتافات التي تعالت «مرسي بيه يا مرسي بيه أمن الدولة بيعمل إيه»، فيما قال أبو البخاري في ختام الوقفة إن «السلطة السياسية تتحمل جزءاً من واقع هذا الجهاز، ومستعدون للذهاب المرات القادمة لقصر الاتحادية إذا لم يأخذ مرسي موقفاً معه»، مشدداً على أن «الحق يقبل من أي شخص ولن نخضع لتوازنات ومعادلات الأحزاب والقيادات البعيدة عن الشباب والثورة». وأكد «نريد أن نرى خطوات في محاسبة ضباط هذا الجهاز المتورطين في قضايا قتل وتعذيب سابقة، ونريد تضمين هذا الجهاز داخل الدولة وتطهيره وأن يكون خاضعاً للسلطات المدنية المنتخبة».