في الساعة الثانية إلّا ربعاً من فجر الأحد الماضي، ظنّ معظم سكّان دمشق وريفها بأن انفجاراً وقع كلٌّ أمام بيته. اهتزت العاصمة كأن زلزالاً قويّاً ضرب المدينة، ومن تسنّى له رؤية أعمدة اللهب التي ارتفعت فوق جبل قاسيون، اعتقد للوهلة الأولى بأن بركاناً قد تفجّر في قلب الجبل. المرور على طريق دمشق ــ بيروت القديم، يرسم بعضاً من المشهد. الرّكام المتطاير من الأبنية القريبة على جانبي الطريق، المشروع السكني القريب من مركز البحوث العلمية في جمرايا يبدو كبقايا الأبنية في مدينة برلين في عزّ هجوم «الحلفاء» عليها في العام الأخير من الحرب العالمية الثانية. تقول مصادر لـ«الأخبار» إنّ اللهيب الذي ظهر فوق قاسيون سببه استهداف أحد مستودعات الأسلحة التابعة للجيش السوري، ومخزناً آخر في ميسلون، قرب مدرسة الاستخبارات، ومخزناً ثالثاً في الديماس. «لا صحّة للكلام الذي قيل عن استهداف أسلحة إيرانية وما شابه، ما استهدف كان مقارّ خاصّة بالجيش السوري». من المبكر الجزم بنوعيّة الهجوم الذي شنتّه اسرائيل، لكنّ أوساط القيادة العسكرية تتحدّث عن هجوم بصواريخ جو ــ أرض، من فوق الأراضي اللبنانية، استهدف المخازن المذكورة. والطيران الإسرائيلي «لم يدخل الأجواء السورية مطلقاً، وبقي في الأجواء اللبنانية». ثمة رواية أخرى تنتشر في بعض الأوساط في دمشق، تتحدّث عن أن الهجوم تم بواسطة صواريخ أرض ــ أرض إسرائيلية، من داخل فلسطين المحتلة.

وأشارت المصادر إلى أن مراكز رصد الزلازل والهزّات الأرضية السورية رصدت اهتزازاً لحظة الهجومين الأول والثاني يعادل أربع درجات على مقياس ريختر في دمشق ومحيطها. غير أن عدد الضحايا الذي تناولته بعض وسائل الإعلام من العسكريين مبالغ فيه جدّاً، والخسائر البشريّة من المدنيين تفوق الخسائر العسكرية.
في دمشق، عادت الحركة الدبلوماسية. حطّ وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي في القصر الرئاسي موفدا من المرشد علي خامنئي وحاملا رسالة دعم شامل وغير محدود، وذلك بعد رسالة تحذير نقلها صالحي إلى ملك الأردن عبد الله الثاني مرفقة باستعداد للدعم في حال وجود ارادة بالانتقال إلى المعسكر المقابل، فيما لم تقتصر الإدانات كما العادة على حلفاء سوريا، لتتعداها إلى «حماس» وتركيا والسعودية وقطر التي أعلنت السلطات الإيرانية أن رئيس وزرائها حمد بن جاسم بن جبر سيزور طهران خلال الأيام المقبلة.
أما في موسكو، فكان واضحا وجود تباين روسي أميركي حول سوريا، على ما عبر وزير الخارجية سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الأميركي جون كيري، وإن كان الرجلان توافقا على عقد مؤتمر دولي خلال اسابيع لتطوير اتفاق جنيف بالتوازي مع العمل على دفع طرفي الصراع في سوريا إلى الحوار من أجل التوصل إلى حل سياسي. وكان لافتا تكرار كيري لمعزوفة تشكيل حكومة انتقالية من ممثلي الطرفين.
في هذا الوقت، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أنّ الشعب السوري والجيش قادران على مواجهة المغامرات الإسرائيلية، وأشار إلى أنّ الغارات الصهيونية تظهر مدى تورط إسرائيل والدول الاقليمية والغربية الداعمة لها في الاحداث بسوريا. وقال، خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي، إنّ الاعتداء الإسرائيلي هو من أوجه الارهاب الذي يستهدف سوريا يومياً. من ناحيته، شدّد صالحي على أنّ إيران تدين الغارات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنّه آن الاوان لردع الاعتداءات الإسرائيلية ضد شعوب المنطقة. وأكد وقوف بلاده إلى جانب سوريا في وجه المحاولات الإسرائيلية للعبث بأمن المنطقة.
بدوره، قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني، رداً على سؤال حول امكانية تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع إيران، «إنه يجب أن يعلم الجميع أنه قبل الأزمة في سوريا وخلالها كانت إيران تقف قيادة وشعباً إلى جانب سوريا لدرجة أننا تجاوزنا مضمون اتفاقية الدفاع المشترك ونحن نتعاون في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية ولدينا مواقف متطابقة».
وفي أول ردّ رسمي على الغارة، قال وزير الاعلام السوري، عمران الزعبي، إن «كل الاحتمالات مفتوحة بعد الغارة الإسرائيلية»، وشدّد على أنّ النظام «مصمّم على حماية الشعب السوري وكل التعويل على قواتنا المسلحة للقضاء على الإرهابيين، وكل من جاء من الخارج». ولفت إلى أن «العدوان تزامن مع تحقيق الجيش تقدماً ضد الإرهاب».
واتهم الزعبي «الإرهابيين التكفيريين وجبهة النصرة والقاعدة بالتنسيق مع إسرائيل بالإعداد لهذا القصف». وقال في مؤتمر صحافي، عقب اجتماع للحكومة السورية يوم الأحد، إنّ «سوريا لن تتخلى عن خيار المقاومة ومن يدعمها، ولن تكون مكسر عصا لأحد». واعتبر أنّ «هذا العدوان يفتح الباب واسعاً أمام جميع الاحتمالات وخاصة أنه يكشف بما لا يدع مجالاً للشك حجم الارتباط العضوي بين مكونات الحرب على سوريا بأدواتها الارهابية التكفيرية والصهيونية».
في موازاة ذلك، وجهت وزارة الخارجية السورية رسالتين إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن أشارت فيهما إلى أنّ «العدوان الاسرائيلي السافر على مواقع تابعة للقوات المسلحة في سوريا تأكيد على التنسيق بين إسرائيل والمجموعات الارهابية والتكفيريين التابعين لجبهة النصرة». وقال بيان للوزارة إنّ «العدوان الاسرائيلي السافر يهدف إلى تقديم دعم عسكري مباشر للمجموعات الارهابية بعد فشل محاولاتها في تحقيق سيطرة على الأرض».
من جهتها، حذّرت موسكو من أنّ «المزيد من التصعيد للنزاع المسلح يزيد وبشكل خطر خلق مراكز توتر في المنطقة». وأوردت «سانا» أنّ اتصالاً هاتفياً تمّ، أول من أمس، بين وزيري الخارجية السوري وليد المعلم والروسي سيرغي لافروف أكد فيه الأخير «حرص الاتحاد الروسي على استقرار سوريا»، معبّراً عن «القلق من خرق سيادتها وحرمة أراضيها».
وحذّر لافروف «من تزايد فرص اندلاع تطورات لا يمكن السيطرة عليها في المنطقة». كما أعلن الكرملين أنّ الرئيس فلاديمير بوتين أجرى محادثات هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمناقشة الوضع في سوريا، من دون اعطاء تفاصيل اضافية. كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، ألكسندر لوكاشيفيتش، إنّ الضربات الجوية أنها مثار «قلق خاص».
طهران، من ناحيتها نفت أن تكون الغارات استهدفت أسلحة ايرانية. وطلب وزير الدفاع أحمد وحيدي من الأسرة الدولية منع إسرائيل من شن هجمات مماثلة «وإلا فسوف تحصل أحداث خطيرة في المنطقة، ولن تخرج منها الولايات المتحدة والنظام الصهيوني رابحين».
من جهة أخرى، كرّت سبحة الإدانات الدولية والعربية من حلفاء وأخصام دمشق. وانتقد رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، الغارات ووصفها بأنها «غير مقبولة». وفي خطاب ألقاه في البرلمان، أمس، قال «لا تبرر أي ذريعة هذه العملية»، مطالباً الأمم المتحدة بالتحرك لوقف هذه الاعتداءات. واعتبر أنّ الغارات الإسرائيلية «تقدّم على طبق من ذهب أوراقا رابحة وفرصاً للنظام غير الشرعي (للرئيس بشار) الأسد» للبقاء في الحكم.
كذلك انتقدت الصين الهجمات التي شنتها الدولة العبرية، داعية إلى «الامتناع» عن تصعيد الوضع. كما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عن «قلقه الشديد» ودعا إلى الهدوء «لتفادي التصعيد» في النزاع السوري.
بدورها، دانت وزارة الخارجية العراقية الغارة الإسرائيلية، معتبرةً أنه «صورة من صور العدوان تحت ذرائع واهية»، داعيةً المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياته لوقف هذه الاعتداءات التي تشكل تهديداً لأمن وسلامة المنطقة».
في السياق، دعت الرياض الأمم المتحدة إلى التحرك «لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وعدم تكرارها». وقال وزير الثقافة والإعلام، عبد العزيز خوجة، عقب الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء، إنّ مجلس الوزراء يعتبر الغارات «انتهاكاً خطيراً لسيادة دولة عربية».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، سانا)