ليس من السهل لمن سبق له زيارة صعدة قبل الحرب التعرّف إليها الآن، بعدما تحوّلت مشاهد الدمار وأكوام الخراب إلى مشهد يغطي المساحة الأكبر من قراها وأحيائها السكنية، مخفياً كثيراً من ملامح المدينة. وقد خصّ الخراب معالم صعدة المعمارية، وخصوصاً تلك التي تميّزت بها كالقلاع الأثرية والبيوت القديمة على غرار ما شهدته المدينة القديمة التي تضم مباني يعود تاريخ إنشائها إلى عصر صدر الإسلام، إلى جانب بقايا دويلات حكمت الجزيرة العربية قبل الإسلام.

ولئن كانت الحروب السابقة قد تجنّبت كثيراً من تراث صعدة وإرثها الحضاري، فإن هذا العدوان لم يُبقِ شيئاً إلا دمره مرة ومرّتين حتى صار الأهالي يُشككون في إمكانية إعادة المدمر إلى وضعه السابق، ولا سيما أن تلك المباني الأثرية بقيت خارج دائرة اهتمام السلطات المحلية ردحاً من الزمن، ما جعلها عُرضة للاندثار، حتى أكمل الطيران السعودي المهمة عبر آلاف الغارات الجوية التي أجهزت على المباني الترابية الموغلة القديمة.
جولة قصيرة في سوق المدينة القديم الواقع خلف أسوارها بالقرب من مسجد الإمام الهادي الشهير، تؤكد أن الحرب هذه المرة تستهدف الحضارة والتاريخ كما تستهدف الانسان. وتتكرر المشاهد نفسها في مدينة رحبان القديمة جنوبي صعدة المدينة التي قاومت الإهمال لعقود، إلى أن دمر الطيران أجزاءً منها في لحظات.

آلاف القنابل العنقودية منتشرة في مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والأحياء السكنية

الدمار المباشر والقتل الجماعي المتعمد للسكان هما واحد من أوجه العدوان. أما الوجه الآخر الناجم عن إفراط العدوان في استخدام الأسلحة المحرمة، فيتمثل بالتداعيات المُترتبة على المدى البعيد، حيث تتحدّث الجهات الصحية في المحافظة عن آلاف القنابل العنقودية المنتشرة في مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والأحياء السكنية. وتشير المصادر إلى استحالة عودة السكان إلى منازلهم المدمرة أو إلى مزارعهم، في ظل معاودة الطيران غاراته على المحافظة التي تشهد تحليقاً على مدار الساعة وغارات تتجاوز أحياناً الخمسين غارة يومياً، ما يتسبب بشل حركة الحياة كلياً وتوقف حركة السير. ويؤكد المصدر سقوط ضحايا بالعشرات من السكان أثناء محاولتهم العودة لمزاولة حياتهم، موضحاً أن معظم هؤلاء الضحايا من النساء والأطفال ورعاة المواشي والمزارعين. وكانت الفرق الهندسية المتخصصة بنزع الألغام قد أكدت لـ»الأخبار» مواجهتها تحدّيات كبيرة أثناء عملها الميداني، مثل تواصل الغارات الجوية وقلة عدد الفرق الهندسية المتخصصة.
ووفقاً لمصادر السلطة المحلية وتقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية، فإن القنابل والصواريخ التي عُثر على بقاياها، بعضها مصنّع أميركياً وبريطانياً وكذلك إسرائيلياً. وقد ألقيت بعبوات وأحجام مختلفة وتسببت بدمار مباشر وآثار لا يُمكن التخلص من آثارها وتداعياتها لعقود، ويراوح طول أغلفة تلك القنابل المنتشرة في أماكن عدة من صعدة بين ثلاثة أمتار وستة.
ويحاول بعض السكان والأهالي ممن تضررت منازلهم العودة إليها بعدما تقطّعت بهم السبل وانعدمت أمامهم خيارات النزوح. غير أن تزايد المخاوف من وقوعهم ضحايا للقنابل العنقودية والأجسام الموقوتة، يدفعهم إلى التشرد والعيش في أماكن قاسية غير صالحة للبقاء فيها ولا تتوافر فيها أدنى الخدمات الأساسية، وخصوصاً سكان المناطق الجبلية التي تمر بموجة صقيع أوصلت البعض حد الوفاة.
ويعيش سكان صعدة حالة نزوح متقطعة يفرضها الطيران الذي يتعمّد في الأيام الأخيرة تتبع التجمعات السكانية وأماكن النزوح ومن ثم الإغارة عليها أو استهدافها بالصواريخ اذا كانوا من سكان المناطق الحدودية؛ كما حدث في مجزرة مديرية الظاهر التي راح ضحيتها 32 شهيداً جلّهم من النساء والأطفال، وثلاثة شيوخ في السبعينات من عمرهم. وكان الطيران قد أغار على مجموعة من البيوت التي نزح إليها سكان إحدى القرى المتاخمة للحدود هرباً من قذائف المدفعية السعودية، وقد تجمعوا في عدد من بيوت القرية التي كثف الطيران غاراته عليها أكثر من مر.
وتجدر الإشارة إلى أن أهالي صعدة كانوا من أكثر اليمنيين تطلعاً لأي توافق سياسي في صنعاء عقب «ثورة 11 فبراير» أملاً في إخراج محافظتهم من دائرة التهميش وإعادة إعمارها بعد ستة حروب. وتشهد صعدة غياباً غير مفهوم من جانب المنظمات الحقوقية والإنسانية برغم لائحة طويلة من جرائم الحرب التي يرتكبها العدوان فيها بصورة دورية.
ويعزو مسؤولون محليون الغياب عن صعدة إلى خشية المنظمات من استهداف العدوان السعودي لهم، وخصوصاً بعد قصفه جواً لمقار ومراكز صحية تديرها منظمات دولية على غرار ما حدث في مستشفيي حيدان ورازح. ذكر المصدر أنه حاول إقناع عاملين في منظمة دولية مقارها في صنعاء بالحضور وتوثيق بعض الجرائم المرتكبة في صعدة، غير أنهم اعتذروا نظراً لـ»عدم تمكنهم من الحصول على ضمانات من الجانب السعودي بعدم استهدافهم».
يُشار إلى أن العدوان السعودي يتعامل مع محافظة صعدة كمنطقة عسكرية يستهدف فيها كل شيء من دون أي اعتبارات إنسانية، وهو ما أعلنه «التحالف» في بداية حملته على اليمن. وقد تسببت الغارات في بعض مناطق صعدة بالقضاء تماماً على بعض القرى والتجمعات السكنية وإزالتها من الخريطة الجغرافية، كما حصل في قرى حدودية تابعة لمديريات رازح وباقم والظاهر وشدا.