دمشق | كم تشبه نكبة الأمس هذا اليوم السوري الفلسطيني القاسي، حيث يقف فلسطينيّو مخيم اليرموك على مدخله المحصّن بالقناصين. منهم من يبعد عن بيته أمتاراً قليلة، ومنهم من له هُناك أقارب وإخوة، فأراد أن يحيي ذكرى النكبة مع من بقي هُناك يعاني من آثار الحصار والاشتباكات. هذا اليوم في المخيّم ليس كبقية الأيام. فمسيرة الآلام نحو المخيم بدأت بسماح اللجان، على غير العادة، بدخول كل من يحمل الأغذية ومتطلبات الحياة لسكان داخل المخيم. طفلة تنوء بحمل الخبز، فتضعه أرضاً بانتظار لحظة إعلان الدخول. امرأة عجوز تجلس على أحد المداخل وتضع أغراضها إلى جانبها، إذ إن أحداً ما أخبرها أنها ستنام في بيتها الليلة، وهي أخطأت حين صدّقت.

القيّمون على تنظيم المسيرة متفائلون. وجوههم حالمة كملامح جميع من ينتظرون إشارة يطلقها أحدٌ ما. لا أحد يعرف ماذا ينتظر الجميع منذ الصباح، لكن امرأة صاحت بأعلى صوتها: «سنعود. سنعيش بكرامة، وإلا ما جدوى النكبة مرتين؟». معظم العائدين يهتفون للجيش السوري. لا مجال للسؤال عن أبناء الخط السياسي الآخر من مسيرة العودة، ما دامت اللجان الشعبية تنتشر ضمن كل شبر من حولك. أحد الفلسطينيين الموجودين في المشهد يؤكد أن أغلب عناصر اللجان المنتشرة هم من الفلسطينيين أنفسهم، فيما أحد العناصر، ممن كُتِب على بزّته عبارة «حفظ النظام»، يمنع الصحافيين من التقدم طالباً ورقة مهمة رسمية، رغم اختلاط الحابل بالنابل، لاحقاً، وتوافد الناس أفواجاً إلى المكان من دون تدقيق في هوياتهم.
الوجوه المتعلّقة ببارقة أمل للعودة، اتخذت من الأرصفة مجالس لها، في حين وقف أعضاء من الفصائل أمام كاميرات الفضائيات التي أوفدت مراسليها لمتابعة الحدث المنتظر. أحد الأطفال يرفع لافتة أكبر من أن يفهمها رأسه الصغير: «الطريق إلى السماء لا يمرّ بالمخيمات الفلسطينية». الساعة الحادية عشرة تماماً تدافع الحشد نحو مدخل المخيم، عبر دوار البطيخة، مروراً بجامع البشير، الذي سرعان ما تحوّل إلى ملجأ للناس الهاربين من رشقات رصاص أطلقها عناصر الجيش الحُر المتمترسين داخل مباني المخيم وفي أعاليها. عناصر من اللجان تدافعت مع الحشود، مطلقة النار في الهواء، في مشهد وصفه أحد المتدافعين بالقول: «لا تقلقوا. هذا الرصاص تطلقه اللجان احتفالاً». لم يرد أحد من الجموع على العبارة، رغم التساؤلات التي طرحتها العيون: احتفالاً بماذا؟ امرأة تجري والحماسة تملأ وجهها البائس. تسأل فجأة: «لماذا تذهبين معنا إلى هُناك؟ سيطلقون الرصاص». تباغتها بالسؤال: «ولماذا تغامرين بالدخول؟». فتجيب باقتناع ورضا: « هُنا منزلي».
فجأة انهمر الرصاص من داخل المخيم باتجاه الجموع. لحظة واحدة تنظر فيها إلى نفسك، إذ إن الرصاصة قريبة جداً. وتنتبه إلى أن الرصاصة أخطأتك، ولم تخطئ جسداً فلسطينياً في ذكرى النكبة، لامرأة سقطت بمحاذاتك في مشهد مأساوي، ليبدأ أول مشاهد التراجع.
كثيرون تراجعوا والدموع تغطي وجوههم، فيما أصوات الأطفال الباكين تصمّ الآذان. «يا للعار! في السنوات الماضية أطلق النار علينا إسرائيليون في الجولان ومارون الراس. اليوم سوريون يرموننا بالرصاص». يصرخ آخر مصحّحاً: «سوريون وشيشان وأفغان».
يتوقف الكلام وتتوالى الصرخات، بعد محاولات جديدة لدخول المخيم. ويتوالى معها تساقط الجرحى. الكثير من الرصاص يخبّئه لهم من يسيطر على المخيم، وقذيفة هاون أُطلقت من الداخل قلبت كل الجرأة التي اعتملت في صدور الناس، فانقلبت حماستهم دموعاً وفجائع.
في وجوه النساء الباكيات الراكضات في تلك اللحظة تتجسد أمامك كل خيبات شعب عانى على مدار عشرات السنين. تدافع الهرب كان أعنف من المتوقع. فبعض النسوة وقعن أرضاً بعضهن فوق بعض، طلباً للحياة التي زهدوا بها حين قررن الدخول رافعات الرأس. ومشهد الهرب يختلف، إذ إن التمسك بالحياة يتطلب أن تنكّس رأسك خشية القناص.
صحافيون أجانب موجودون في المكان يلبسون دروعهم الواقية وخوذاتهم، بخلاف جميع الحاضرين في المكان. يقفون بعيداً مترقبين حركة الناس بدهشة.
الرصاص مستمر وقد بدا أعنف. الكل يتحدث عن قصف سيبدأ بالهاون، ليبدأ البعض بالتذمر: «ما هذه التمثيلية؟».
كلام غامض ستتجاهله مؤقتاً في حضرة الموت المخيم ومحاولة النجاة بالنفس. وستعتمل في ذاكرتك آخر إشارات للحياة مررتَ بها هذا الصباح أو ربما ليلة أمس. وقد يلتقط أنفك بقايا رائحة عطر هاربة من روائح الدم التي بدأت تحوم حولك.
وعند الابتعاد بالقدر الكافي ستتوقف لحظات ناظراً إلى الخلف، حيث ستُبهرك تلك الرغبة العجيبة في العودة، لدى البعض. ولعلّك تنسى تغطيتك الصحافية الحصرية، وبطولاتك الإعلامية التي قد تباهي بها لاحقاً، وستحاول اللحاق بخطوات هذا الشعب العاشق للعودة.
بعض عناصر اللجان يحذّرون الناس من المحاولة مجدداً، طالبين منهم العودة إلى المتراس الأول. البعض يعود خائباً أمام مشهد نقل المصابين. مشهدٌ استسهلت الفصائل أن تعرضه في سبيل تحقيق مكاسب سياسية في اللعبة السورية الحاصلة. المشهد ذاته: أرغفة الخبز بين الأيدي، وجرار صغيرة للغاز، وبعض الأطعمة. هذا ما أعاده معهم المدنيون الذين حاولوا الالتقاء بأقربائهم في المخيم، بينما البعض توقف عن السير أو الركض، وجلس على الرصيف بلامبالاة وألم مكابر.
لا بدّ من السؤال عن التمثيلية التي بدأ البعض يتحدث عنها. فالضمانات التي زعم الطرفان أنهما سيلتزمان بها ريثما تتم مسيرة التلاقي، قد اختفت فجأة. يسأل أحد الرجال الواقفين: «لماذا أطلقت اللجان الرصاص؟». يجيبه آخر: «احتفالاً». يعود الأول ليسأل: «احتفالاً بماذا؟». يجيبه الآخر: «المنطقة التي أُطلق النار عليها تتبع لسيطرة اللجان. إنهم لم يتخطّوا منطقة سيطرتهم بعد».
تعلّق امرأة: «وهل كانوا يتوقعون أن يُسمح لهم بتخطّي المنطقة بكامل سلاحهم؟». أسئلة لا إجابة عنها، تبدو كأنها تدين أحد الأطراف، لكن الطرف الآخر متورط في الدم الحرام بوضوح خلال المشهد الحالي، ولم يسمح، أصلاً، للسكان داخل المخيم بالوصول إلى الجامع حيث نقطة الالتقاء.
عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين _ القيادة العامة، أنور رجا، فاجأ المغادرين خارج المنطقة بوصوله. صوته بدأ يرن أمام الصحافيين: «هل رأيتموهم بأعينكم؟ هل يختلف هذا المشهد عمّا يفعله اليهود!!». يرمقه البعض بنظرات لها مغزى، في حين تبدو الفصائل هزيلة وبعيدة عن تطلعات الشعب المنكوب وأحلامه، والنظام قد أخلى مسؤوليته بفتح ما سمّاه سكان المخيم أخيراً «المعبر»، كناية عن الحصار المفروض.