يصف كثيرون حق العودة بأنّه «مفتاح القضية» الفلسطينية. وهو يعني أن يعود حوالى 5 ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات إلى أراضيهم، عدا عن اللاجئين داخل حدود فلسطين، وذلك يعني أيضاً أن تصبح الأغلبية الفلسطينية هي التي تسكن فلسطين التاريخية.


ظهر مفهوم «حق العودة» بعد نكبة عام 1948. وتم تبنّيه رسمياً من قبل الأمم المتحدة في القرار رقم 194، الصادر بعد حوالى خمسة أشهر من النكبة وتهجير ما يقارب نصف الشعب الفلسطيني، بموافقة 35 دولة، ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية، التي عادت وتراجعت عن موقفها بعد توقيع اتفاق أوسلو.
القرار الذي يحتوي على 15 بنداً، لم ينصّ على عودة اللاجئين فحسب؛ ففي بنوده الأولى، يسهب في الحديث عن وصول إلى «تسوية»، تقوم عليها «لجنة توفيق»، ثم يتحدث عن وضع القدس المحتلة، وضرورة فرض سيطرة الأمم المتحدة عليها بصفتها مدينة مقسمة، قبل أن يأتي على ذكر حق العودة في البند الحادي عشر، حيث ينص على «وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن الممتلكات للذين يقرّرون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر».
ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن القرار يرمي إلى ربط قضية العودة بتسوية شاملة تُشرف عليها الأمم المتحدة، وهكذا يتعامل مع موضوع «حق العودة» وكأنّه جزء من حلّ نهائي، وليس قضية ملحّة، ومستقلة بحدّ ذاتها. الأهم من ذلك، أنّه يسعى إلى تسوية مع من تسبب بمأساة هؤلاء اللاجئين، وأوقع بهم ظلماً تاريخياً يستوجب المحاكمة والعقاب، مساوياً بذلك بين الضحية والجلاد.
لم تنفذ إسرائيل القرار، رغم أن الأمم المتحدة أكّدت على القرار 139 مرة بعد عام 1948. وأصدرت لاحقاً القرار 3236، الذي خصت به الفلسطينيين في حق تقرير مصيرهم، وأعادت فيه التأكيد على «حق العودة». لكن إسرائيل ظلت تتجاهل الأمر، حتى أصبح القرار الآن في سجلات الأمم المتحدة القديمة، ولم يعد يُسمع له صدىً في أروقتها.
مع ذلك، يرى آخرون أن «حق العودة» حق ممكن، وملزم، وقانوني. فيما يذهب البعض الآخر إلى وصفه بأنه «مكسب تاريخي» للقضية الفلسطينية؛ فالنصوص التفسيرية للقرار تقضي بعودة كل من كان يحيا حياة طبيعية في أرضه قبل عام 1948. ويشمل أيضاً ذرية العائلة مهما بلغ عددها، واختلفت أماكن وجودها. كما ينطبق على من لم يتملك أراضيَ في وطنه قبل ذلك العام. ويؤكّد على عودة اللاجئ إلى المكان الذي طُرد منه، ولو كان لا يبعد عنه مسافة كبيرة.
وبغض النظر عن قرار الأمم المتحدة رقم 181 حول التقسيم، يُعتبر «حق العودة» قانونيّاً استناداً إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية، حيث نصت الفقرة الثانية، من المادة الثالثة عشرة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، على أنّه: «لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده». وهو حقٌ لا يسقط بالتقادم، أي ينقضي مع مرور الزمن. ولا يحق لأي جهة رسمية التنازل عنه باسم الشعب؛ فالمادة الثانية من معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949، نصّت على أنّ «أي اتفاق بين القوة المحتلة والشعب المحتل أو ممثليه باطل قانوناً، إذا أسقطت حقوقه».
كان حق العودة حاضراً بقوة في الخطاب السياسي والشعبي الفلسطيني على امتداد سنوات الصراع، لكن بعد توقيع اتفاقية أوسلو، تراجع ذلك الحضور بشكل لافت، ولا سيما أنّ الاتفاق لم يأت على ذكره سوى في الفقرة الثالثة في المادة الخامسة، حيث وُضع على أجندة قضايا الحل النهائي، إلى جانب الحدود، والمياه، والقدس. وتعزّزت تلك المخاوف بعودة حوالى 130 ألف لاجئ من الشتات إلى الضفة الغربية وغزة مع عودة السلطة الفلسطينية.
وتزامن ذلك مع الإعلانات الإسرائيلية المتكرّرة بأنّ أي حل لقضية اللاجئين ينبغي أن يكون خارج حدود فلسطين المغتصبة، في إشارة إلى الضفة وغزّة. إضافة إلى ذلك، كانت قضية «حق العودة» مغيبة عن محاضر القمم والاجتماعات العربية، حتى لم يعد يُسمع لها صوت ولا صدى. ولم يكن الاجتماع الأخير للجنة المبادرة العربية في واشنطن إلا تجسيداً صارخاً على ذلك، حيث أغفلت الحديث عن «حق العودة»، رغم أن المبادرة تتضمن القرار 194.
في المقابل، قامت لجنة المبادرة العربية بتقديم تنازل مباشر لإسرائيل معلنة موافقتها على مبدأ «تبادل الأراضي». تنازلات كثيرة قدمها العرب على مدار السنوات الماضية، دفعت إسرائيل نحو مزيد من التعنت، ووضعت قضية اللاجئين على الهامش، حتى إنّ رأس الهرم في منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، قدّم تنازلاً على الهواء الإسرائيلي مباشرة عن حقه في العودة إلى مدينته، صفد، التي عاش فيها سني حياته الأولى، وعايش بشكل مباشر آلام النكبة واللجوء.
وفي لغة الأرقام والإحصاءات لمفهوم النكبة، فقد جرى تطهير 531 قرية ومدينة فلسطينية عرقياً، ودُمّرت بالكامل. وبلغ عدد سكانها المهجرين منها عام 1948 حوالى 805,067 لاجئاً. وفي آخر تقرير له، يقول جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني إنّ عدد الفلسطينيين عام 1948 بلغ 1.37 مليون نسمة، في حين قدر عدد الفلسطينيين في العالم نهاية العام 2012 بحوالى 11.6 مليون نسمة، وهذا يعني أن عدد الفلسطينيين تضاعف 8.5 مرات منذ أحداث نكبة 1948.
وفي ما يتعلق بعدد الفلسطينيين المقيمين حالياً في فلسطين، قالت مؤشرات جهاز الإحصاء إن عددهم بلغ في نهاية عام 2012 حوالى 5.8 ملايين نسمة. ومن المتوقع أن يبلغ عددهم نحو 7.2 ملايين، وذلك بحلول نهاية عام 2020، وذلك فيما لو بقيت معدلات النمو السائدة حالياً.
وبلغ عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية 2.7 مليون، وفي قطاع غزة 1.7 مليون نسمة وذلك في نهاية العام 2012. وقدّر الجهاز عدد الفلسطينيين الذين لم يغادروا وطنهم عام 1948 بحوالى 154 ألف فلسطيني، في حين يقدر عددهم في الذكرى 65 للنكبة بحوالى 1.4 مليون نسمة مع نهاية العام 2012. وأكد أن البيانات الموثقة تشير الى أن الاحتلال الإسرائيلي سيطر خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة، حيث قام بتدمير 531 قرية ومدينة فلسطينية. كما اقترفت قوات الاحتلال أكثر من 70 مذبحة ومجزرة بحق الفلسطينيين، وأدت إلى مقتل ما يزيد على 15 ألف فلسطيني خلال فترة النكبة.
مالك ...