غزّة | بعد قانون منع اختلاط الجنسين في المدارس الفلسطينية، يدور في الأوساط الفلسطينية توتر واستنكار كبيران جراء مسودة مشروع قانون عقوبات جديد تطرحها حكومة «حماس» في المجلس التشريعي، وتقضي بتطبيق عقوبة قطع اليد للسارق والجلد لجرائم الزنا، وفقاً لما حدّدته الشريعة الإسلامية.

وفي الوقت الذي نُشرت فيه مسودة قانون العقوبات الجديد وبدأ تداولها، بدأت مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية بإصدار بيانات لرفض هذا القانون وبنوده «المجحفة»، وخصوصاً في ظل ما يعانيه الفلسطينيون في قطاع غزة من بطالة مرتفعة وحصار.
وتنص المادتان (289 و290) في باب جرائم الاعتداء على الأموال لقانون السرقة والجرائم الملحقة بها كالسرقة الحدّية، على أنّ مرتكبها يعاقب بقطع اليد اليمنى من مفصل الكف، وعند إدانته مرّة ثانية يُسجن بما لا يقل عن سبع سنوات. بينما سمحت مواد أخرى من القانون بتنفيذ «الإعدام ضدّ مرتكبي ومرتكبات الزنا المتزوجين»، و«الجلد بما لا يقل عن 80 جلدة لغير المتزوجين».
وقال مسؤول الدائرة القانونية في المجلس التشريعي الفلسطيني، نافذ المدهون، لـ«الأخبار»، إن مشروع قانون العقوبات المذكور أُقرّ بالقراءة الأولى في عام 2003، «لكن بسبب وجود خلاف حوله، ووجود ملاحظات من قبل مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية تم تأجيل المشروع، الى أن بدأت التحضيرات للقراءة الثانية له في الوقت الحالي». وأضاف أنّ القانون قيد الدراسة، «وبخصوص العقوبات المغلظة (في إشارة الى قطع اليد للسارق والجلد للزانية) فهي في طور النقاش».
وأكّد المدهون أنّ مسودة القانون التي أُقرّت في عام 2003 شملت الجلد للزاني والزانية وقطع اليد للسارق، وهو ما وصفه بالأمر الطبيعي كونها تستند إلى الحدود التي نص عليها «الدستور والشريعة الإسلامية». وحول عدم احتواء الدستور لعقوبة الجلد، أوضح أن «الدستور لا يتطرق للعقوبات بل يترك للمشرع تحديد نوع العقوبة»، مشيراً الى أن مسودة القانون قيد المناقشة، وخصوصاً أن «بعض الجرائم (في إشارة الى الزنا) تُرتكب إلكترونياً».
المؤسسات الاجتماعية، وخصوصاً النسوية منها، كان لها موقفها من مسودة القانون، وأصدرت بعض المؤسسات بيانات ضدّ تطبيق بعض العقوبات المذكورة في المسودة. وكان مركز الأبحاث والاستشارات القانونية أول من انتقد قانون العقوبات الجديد بعدما وصلته نسخة منه عن طريق «كتلة التغيير والإصلاح» التابعة لحركة «حماس».
ورأت رئيسة مجلس إدارة المركز، زينب الغنيمي، في حديث لـ«الأخبار»، أنّ مسودة القانون تعكس وجهة النظر أُحادية الجانب، التي تملكها الكتلة البرلمانية في المجلس التشريعي «كتلة التغيير والإصلاح»، موضحةً أنّه في ظل تعطيل دور المجلس التشريعي لا يجوز إصدار قوانين لن تستكمل مراحلها دون باقي النواب من الضفة الغربية.
وتضيف الغنيمي أن «مسودة القانون هي تطبيق لظاهر النص بالدرجة الأولى دون التمعن في وضعية المجتمع الفلسطيني بشكل عام، خاصة المجتمع الغزي الذي يعيش تحت الحصار»، مشيرةً إلى أنه «قبل تطبيق حد السرقة بقطع اليد إن تجاوز مقدار السرقة ما يعادل بقيمة دينار ذهباً (100دينار أردني)، على الحكومة توفير الاستقرار الاقتصادي والمعيشي للمواطنين في ظل ظروف البطالة». وتؤكّد أنّ «حماس لا ترى واجباتها كسلطة بقدر ما تحاول فقط إثبات سلطتها».
وتكشف الناشطة النسوية أنّ «حماس» لم تأخذ برأي المؤسسات الحقوقية والمجتمعية في القرارات الإدارية، التي تم أخذها بالاتفاق مع جامعة الأقصى، بفرض الحجاب على طالبات الجامعة أو فرض الحجاب على المحاميات في عام 2009. وأضافت أنه «مع التطور الاجتماعي والثقافي، فان اللجوء لأساليب عقابية كالجلد بالسوط يسجل تراجعاً للخلف وليس تقدّماً الى الأمام»، مؤكدةً أن «استبدال العقوبات بالتطوّع وخدمة المجتمع المدني قد يكون أكثر نفعاً لكلا الطرفين، السارق والناس».
بدوره، رفض مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان عصام يونس، اقرار قانون منظم للعلاقات بين المجتمع الفلسطيني وهو لا يزال يعاني الانقسام، مبيناً أن تشريع أي قانون في غزة دون الضفة الغربية يعمق الانقسام أكثر. وقال لـ«الأخبار» «لا يوجد ضرورة تشريعية لتطبيق قانون عقوبات جديد. وأعتقد أن الانتظار لإتمام المصالحة أفضل من التصرف وكأنما غزة دولة وحدها»، رافضاً أن يكون قانون العقوبات يعبر عن مصلحة المجتمع الفلسطيني. وأضاف «على عكس ما وعدت به «حماس» الناس بالأمن والأمان إثر فوزها في انتخابات 2006، فهي تقوم الآن بتطبيق الشرعية الإسلامية على كيفها»، مؤكداً أن «حماس» لا تمتلك الجرأة لتطبيق الشريعة الإسلامية بحذافيرها.
ورأى يونس أن على «حماس» مناقشة القانون مع المجتمع؛ فإجبار الناس على القبول بهذا القانون له انعكاسات وتبعات خطيرة على ثقة الناس بمن انتخبوا. وقال «أدعو أصحاب العقل في حركة حماس للنظر جدياً في سحب القانون».
وبينما يعيش قطاع غزة على الكفاف، يرى الحقوقي عصام يونس، أنّ على الحكومة أولاً توفير فرص عمل، وإن كانت بسيطة، لأكثر من 800 ألف متخرج جامعي أكثر من نصفهم معيلون لعائلاتهم، قبل أن تقرّ قانون.
وبموجب قانون العقوبات الحمساوي، فان من يرتكب جريمة السرقة الحدية، يعاقب بقطع اليد اليمنى من المفصل. وهكذا، فان من يسرق مقدار دينار ذهب أي ما يعادل 550 شيكل، تُقطع يده، وعلى ذلك، ربما ستُقطع يد أكثر من 80 في المئة من سكان قطاع غزّة، وهي النسبة التي تعيش على المساعدات الدولية، فيما يعيش 40 في المئة منهم تحت خط الفقر.