على الغلاف | احتل تبادل إطلاق النار الذي شهدته جبهة الجولان بين جيش الاحتلال والجيش السوري صدارة الاهتمام في الصحف الإسرائيلية التي خصصت صفحاتها الأولى لهذا الحدث. وفي حين اختارت «معاريف» عبارة «الأسد يأمر بإطلاق النار في الجولان» عنوانا رئيسياً، ركزت معظم الصحف الأخرى على إبراز التحذير الذي أطلقه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، بيني غانتس، تعقيباً على الحادثة.


وعنونت «يديعوت أحرونوت» بالخط العريض «غانتس للأسد: لن نتحمل إطلاق النار باتجاه إسرائيل»، فيما عنونت «إسرائيل اليوم» بعبارة مقتبسة من تصريح لغانتس هي «سئمنا إطلاق النار من سوريا: الأسد سيدفع الثمن»، وهي العبارة نفسها التي صدرتها «جيروزالم بوست»، بينما فضلت «هآرتس» عنوان «تزايد التوتر في الجولان: الأسد يأمر باستهداف الآلية الإسرائيلية».
وفي العموم، عكست كتابات المعلقين الإسرائيليين حالاً من القلق حيال ارتفاع منسوب التوتر بين تل أبيب ودمشق ومن الاشتعال السريع الذي يمكن أن يؤدي إليه ذلك لجبهة الشمال. ورأى دان مرغليت في «إسرائيل اليوم» أن ما فعله الرئيس السوري، بشار الأسد، من خلال استهداف الآلية الإسرائيلية في الجولان يذكر بمقولة الدبلوماسي الإسرائيلي الشهير، إلياهو ساسون: «إن لم تفعل، لكن أعلنت أنك فعلت، فإنك قد فعلت». وقصد الكاتب بذلك الإشارة إلى أنه في ظل الإعلان الرسمي للجيش السوري عن استهداف الآلية لا تعود أسئلة كـ«هل أطلق النار حقاً؟ وماذا أطلق؟ وكيف أطلق؟ وماذا كانت النتائج» ذات صلة، والمهم هو أنه «إذا كانت دمشق قد أمرت حقاً جيشها بإطلاق النار عمداً على آلية للجيش الإسرائيلي، فإن ذلك يعني أنه تحدّ خطير ومغامرة بأن ترد إسرائيل على الهجوم». واعتبر مرغليت أن الأسد، حتى لو لم يكن قد أطلق النار في الجولان، إلا أنه «حصد نقاطاً في العالم العربي كما لو أنه قد فعل».
ورأى الكاتب أن الأسد من خلال فعله هذا «يلعب بالنار» لأنه «يختبر قدرة التحمل الإسرائيلية، إذ إن تصريحات بنيامين نتنياهو وموشيه يعالون وبيني غانتس، يمكن أن تعتبر إنذاراً وذريعة للحرب، وبالتالي تحدث الانطباع الخاطئ بأن السوريين أطلقوا النار على الجيش الإسرائيلي وأنهم ملزمون بالرد».
وخلص مرغليت إلى أن الوضع الحالي بين إسرائيل وسوريا «سيال وهش ويعرف من يوجهه بنجاح أن المقود قد يفلت من يده في طرفة عين، وأن التدهور باتجاه اشتعال حقيقي على طول الجبهة هو مسألة قلة حذر وسوء حظ حتى لو لم يكن الطرفان معنيين بذلك».
وتحت عنوان «الأيادي أيادي طهران»، كتب أساف جبور في «معاريف» أن حادثة إطلاق النار على الآلية العسكرية الإسرائيلية في الجولان تشكل الخطوة الأولى لسياسة الرد الجديدة التي تتبلور في القصر الرئاسي في دمشق.
واستبعد الكاتب أن «يكون الرئيس السوري معنياً بمواجهة واسعة النطاق مع إسرائيل في هذا الوقت بالذات، حيث تنجح قواته في تحقيق إنجازات وتغيير ميزان القوى حيال الثوار»، لكنه رأى أن «مواجهة على نار هادئة مع إسرائيل تصرف الأضواء الإعلامية باتجاه الحدود الإسرائيلية السورية». وإذ اعتبر أن الجواب عن تسخين جبهة الجولان موجود في طهران، التي «أمرت حزب الله ومحافل فلسطينية موالية للنظام السوري بتسخين الجبهة مع إسرائيل لسببين: الأول هو القضاء على قوات الثوار الموجودة على الحدود، والثاني هو تثبيت مكانة الأسد كرئيس سوري لا يخاف المواجهة مع العدو الكبير إسرائيل». وضمن هذا السياق، فإن إيران، بحسب الكاتب، «تسعى الآن إلى عملية شد وجه للصورة السورية وعرض الأسد كرئيس صلب ومصمم على حماية مواطني سوريا من الهجمات التي يشنها العدو الصهيوني».
من جهته، انتقد محلل الشؤون الأمنية في «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، سياسة الحكومة الإسرائيلية في سوريا، وخصوصاً إقدامها على تنفيذ الهجمات الأخيرة ضد ما قالت إنه شحنات أسلحة مهربة إلى حزب الله. وتحت عنوان «اللعب بالنار: أضرار الهجمات في سوريا» كتب بن يشاي أن «فطريات النار التي تصاعدت فوق دمشق قبل أسبوعين تحدّت بشار الأسد ونظامه تقريباً حتى الحد الأخير، وقد كان من شأنها أن تجرّ رداً يؤدي إلى اشتعال واسع النطاق في الشمال». ورأى الكاتب أن حادثة الجولان هي «تحرش صغير» من جانب الأسد الذي لا يرغب في استدراج رد إسرائيلي، «إلا أنه في الشرق الأوسط لا يمكن دائماً السيطرة على ألسنة اللهب».
وإذ شكك بن يشاي بحكمة الهجمات الإسرائيلية الأخيرة داخل سوريا في «التوقيت الراهن وبشكل استعراضي»، أكد أنه لا يوجد ما يثبت أن «عمليات القصف شوّشت فعلاً وبشكل ملحوظ جهود التسلح الخاصة بالحزب وأن الإنجاز عملياً كان يستأهل هذه المخاطرة الاستراتيجية التي أخذها المبادرون إلى العملية».
يضيف الكاتب «هل من أجل إحراق عدد من أجهزة توجيه صواريخ، يمتلك الحزب منها المئات، هدرنا فرصة حرية عمل عسكرية استراتيجية ومشروعية سياسية سنحتاج إليها في المستقبل عندما تنطلق قافلة أسلحة حقيقية كاسرة للتوازن، مثل صواريخ SA-17 في طريقها من سوريا إلى لبنان؟». وتعليقاً على ما حصل في الجولان، رأى بن يشاي ضرورة الحذر «في ردودنا على الاستفزازات السورية حتى لا ننجر إلى تورط واشتعال غير مرغوب فيه من قبل الطرفين، مثل إدخال حزب الله إلى هضبة الجولان، وهو تهديد سمعناه ويجب أن نتعامل معه بجدية». إلا أن الأكثر إثارة للقلق، بحسب الكاتب، هو الطريقة «الخرقاء» التي تعاملت بها تل أبيب وواشنطن مع الهجمات على المستويات السياسية والدبلوماسية والإعلامية. فـ«إسرائيل كانت معنية بأن يتجاهل الأسد والإيرانيون الهجوم كي لا يردوا عليها، بما من شأنه أن يعرض إسرائيل للخطر، إلا أن البنتاغون فكر بطريقة أخرى» في إشارة إلى تسريب نبأ الهجوم. وبرأي بن يشاي، فإن الجولة الثانية من الهجوم «لم يبق للأسد ولحزب الله وإيران سوى التهديد برد مؤلم على إسرائيل والبحث عن طرق عملية لتنفيذ هذا التهديد». وخلص الكاتب إلى أن «الأضرار الاستراتيجية للهجمات على سوريا ولما بدا أنه تنسيق أخرق بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية كانت أكبر بكثير من الربح الذي تم تحقيقه من الناحية العسكرية... ومن الآن فصاعداً، سيضطر الجيش والحكومة إلى التفكير جيداً قبل أن يصادقوا على خطة لقصف قافلة أسلحة من سوريا إلى حزب الله أو اعتراضها بطرق أخرى... فإذا حصل هجوم إسرائيلي إضافي سيكون من الصعب على الأسد ألا يرد، حتى لو رغب في ذلك. وهذا ينطبق على حزب الله والإيرانيين والروس».