القصير | لا تتوقف الاشتباكات العنيفة وسط وشمال مدينة القصير، فيما يبدو أن مهمّة الجيش السوري لن تكون نزهةً في ظل وجود مقاومة عنيفة من مسلّحي «النصرة» المتمترسين في بيوت وأنفاق المدينة. أنفاق أعدّوها على مدار سنة كاملة تحسّباً للمعركة الحالية، لذا لا بدّ من فتح منافذ أُخرى لتضييق الحصار على مسلّحي المعارضة. إذاً لا بد من تأمين قرية الحميدية في ريف القصير الشمالي الغربي.

لقرية الحميدية أهميتها في الطوق المفروض على مدينة القصير باعتبارها تقع على الطريق الواصل بين قريتي عرجون والضبعة. محاولات عديدة من الجيش لدخول القرية المنيعة، بعضها نجح وأُخرى باءت بالفشل. يتحدث الجميع عن إعلان بدء الدخول الحتمي إلى الحميدية لإتمام إحكام الطوق على طول المحيط الشمالي لمدينة القصير. إلى تحويلة حمص إذاً، حيث نمضي من هُناك إلى الحميدية. هُنا ما يطلق عليه الحماصنة «منطقة المقاصف». الكثير من الملاهي الليلية التي لم تتوقف عن العمل رغم كل الأحداث الأمنية التي جرت في المدينة. مداهمات عديدة واشتباكات، والكثير من القذائف «هاون ومدفعية ثقيلة». كلّ ذلك لم يوقف مريديها وعاملاتها وعمّالها عن التوجه إليها ومتابعة دورها المعتاد، إلى أن قرر الجيش «تطهير» المنطقة بالكامل، فكان أن بلغت الاشتباكات أوجها بعدما هيأ مسلّحو المعارضة متاريسهم الترابية حولها، ما أدّى إلى دكّ المنطقة. المتاريس اليوم تحت سيطرة الجيش، فيما تناثرت حروف أسماء الملاهي وزجاج نوافذها وأجزاء من جدرانها. بدءاً من المفرق المؤدي إلى قرية الحميدية، ستبدأ الكثير من الحواجز العسكرية بإيقاف المارين، ولكي تمر إلى وجهتك ينبغي أن تكون من المنطقة أو بصحبة أحد أبنائها. من بعيد يبدو لك الدخان الكثيف، كأن انفجاراً وقع في المزارع المحيطة. إنما ستتبين لاحقاً أنها عملية إحراق العشب الكثيف على جانبي الطريق. قد ترى أيضاً امتداد الحرائق لتأتي على بعض المساحات من الأراضي المزروعة بالقمح. في قرية المباركية تبدو المنازل المتناثرة على الجانبين وقد تكوّمت أنقاضاً. مشهد مريع لأسقف سقطت أفقياً، فيما بعض أساساتها لا تزال واقفة أو مشطورة إلى نصفين. لا أطلال في القرية لدمار كبير فحسب، بل إن المنازل هي بقايا حجارة لا أكثر. آثار الحرائق في كل مكان على معظم الأراضي، والنار لا تزال مشتعلة في بعضها. للحرائق أسباب، بحسب المعنيين بأمرها من العسكريين، إذ إن حرق العشب يفيد في عملية منع تسلل مسلحي المعارضة لاستهداف عناصر الجيش والقوى الأمنية الذين يمرون من هذه المناطق ويبسطون سيطرتهم وحمايتهم عليها.
مفرق آبل في الطريق إلى الحميدية شاهدٌ على معارك عنيفة دارت في المنطقة للسيطرة على المطار العسكري. ستلمح بعده مقبرة تنتشر الصلبان على معظم مقابرها، ويأتيك الجواب دون أن تسأل: «إنها قطينة». بعض المنازل تعرضت لإطلاق رصاص في ظل محاولات القنص الدائمة التي شهدتها المنطقة بأكملها بحكم انكشافها على مرمى نيران القرى الثائرة. على مد النظر وامتداد «رحبة قطينة» و«السلومية» و«كمام» تبدو سنابل القمح التي تلوح واعدة بالحصاد القريب ومحصول استثنائي الطعم، وقد استقى من غزارة الدماء التي عجنت تراب ريف القصير. يختلط المدنيون بالعسكريين في الشوارع. بضعة منازل تظهر على جانبي الطريق، فيقول الدليل المرافق: «إنها الرحمونية». قرية تتألف من منازل عدة تعود ملكيتها إلى عائلة واحدة. عائلة بمفردها، قررت هكذا، ولسبب ما، أن تثور، وثارت. حمل أفرادها السلاح وتمترسوا في بيوتهم، بعدما أرسلوا النساء والأطفال إلى قرية الغسانية القريبة بسكانها المنتمين إلى إحدى طوائف «الأقليات». كل ذلك كي لا ينشغلوا عن الثورة بحماية عائلاتهم. أرادوا تغيير النظام «الكافر»، وجاهدوا في سبيل ذلك، بمساعدة إخوانهم في قرية الربلاوية والقرى اللاحقة على ذات الطريق نحو القصير، إضافة إلى مساعدة إخوانهم من البلدان المجاورة أيضاً، فانتهى بهم الحال خارج خارطة التغيير والحرية والمواطَنة، وأصبحوا خارج المكان أو ربما تحتَه، فيما بقيت الجدران المتهالكة شاهدة على مرحلة دموية مفاجئة من عمر البلاد. جدران لو نطقت لأدهشتك، أنت الغريب الآتي من البعيد باحثاً عمّا سقط سهواً من آثار الحقيقة لأحداث كان مسرحها هذا المكان المنكوب طوال أشهر. مع الاقتراب من مزرعة الرضوانية والشومرية يمكن تبيّن عدد من المزارعين يهتمون بمزروعاتهم ويسقونها. تستغرب وجودهم ونشاطهم أمام الخراب الذي لم يواجهك سواه. وقد تعبر وجهاً لوجه ببعض الملثمين الذين يقودون دراجاتهم النارية دون اعتراض طريقك، فلا تملك إلا أن تسأل في نفسك: «من هؤلاء؟ وكيف يعبرون الطرق بهذا المظهر ضمن مناطق يسيطر عليها الجيش!». لن يطول بك السؤال، بل سيبدأ خوفك بالتزايد عندما تتبين أن مساحات كبيرة من الطريق الذي تعبره مكشوف أمام قناصين من مطار الضبعة وقرية عرجون. هذا ما سيبدو واضحاً ضمن قرية الشومرية التي سيطر عليها الجيش أخيراً بعد معارك ضارية، استمات خلالها مقاتلو جبهة النصرة في المقاومة عبثاً. الوصول إلى قرية الغسانية بعد جهد جهيد يعني أن الحميدية باتت على مسافة تقدر بـ 3 كيلومترات. الكثير من ناقلات الجند تتنقّل بين الأهالي، ويلعب الأطفال حولها. عناصر من الجيش السوري يستعدون لبدء العملية العسكرية المؤذنة بدخول الحميدية، أمرٌ يهلل له أهالي الغسانية أملاً في التخلص من القناص الذي يقلق راحة أبناء الحي الشمالي من قريتهم. لا بد من العبور بسرعة باتجاه مكان تجمّع القوّات التي تستعد شمالاً للسيطرة على الحميدية. يقول أحد عناصر اللجان الشعبية: «لقد استطعنا السيطرة على بعض مداخل القرية، ويجب أن نعيدها اليوم إلى سيطرة الدولة». بعد عناء الطريق والوصول إلى مشارف القرية، تبدأ طلائع الجيش بالعودة أدراجها. المقاومة في الحميدية عنيفة، ولن يتمكن العدد المحدود من الجنود واللجان الشعبية من هزمهم، وسط أنباء عن انسحاب من بعض مواقع الجيش على مداخل القرية، لصالح التقدم المفاجئ الذي بدأته فرق أُخرى من الجيش بهدف السيطرة على قرية الضبعة ومطارها. أيام من الإعلان عن بدء العمليات العسكرية في الحميدية، فوجئ الناس بعدها ببدء المعارك في محيط مطار الضبعة العسكري والبويضة الشرقية، وتدمير سيارتي دوشكا في حرم المطار تعودان إلى مسلحي المعارضة. وبذلك يتقدم الجيش السوري في القصير محاصراً ما بقي من مسلحي المعارضة في الحارة الشمالية، حيث انتهى العمل على تأمين كل الأبنية المجاورة لسكة القطار تمهيداً لاقتحام الحي الشمالي. في وقت أحبطت فيه جميع محاولات دعم ومؤازرة مسلحي المعارضة في الداخل قرب منطقة حسياء الصناعية على طريق حمص - دمشق، ما أدى إلى مقتل 13 عنصراً من «الجيش الحر».