خزامى الرشيد

«لماذا خرجنا ولم نعد؟». لم تُسقط السنون حرقة هذا التساؤل الذي صار منصة لتبادل الاتهام بين أجيال الفلسطينيين وبينهم وبين العرب. لم خرجتم هكذا؟ كيف هانت عليكم بيوتكم وقراكم، سماؤكم وبحركم؟ قال أجدادنا: أُجبرنا... أُجبرنا! وكنا نحن أبناءهم وأبناء أبنائهم نلومهم ونحمّلهم وزر تسميتنا «لاجئين». تواصل هذا السؤال أو الاتهام لجيلنا، كنا نناقش ونحترق جدلاً: الاحتلال الإنكليزي، مؤامرة بلفور لتمكين الصهاينة من إيجاد وطن بديل في فلسطين وتسميته «إسرائيل» تحت قبة قاعة الأمم المتحدة، المجازر، الإذلال، القهر والخوف من الموت، لكن لم يشفع لنا أحد ولم نشفع لأنفسنا ذلك الخطأ التاريخي الذي غُصنا في وحله.

ثم حوّل الفلسطيني خيمته إلى حجارة وبيوت وحارات وسماها مخيمات اللاجئين. تخطى كرتونة الإعاشة وبطاقة التموين، وتمكن من الوقوف على قدميه، فأطل فدائياً ببندقية العودة. إلا أن صورة الفدائي آنذاك أقلقت الجميع.
إلا أن الفدائي المارد صغر مع السنين لتحل محله أحزاب ومنظمات وسلطات متناحرة حول معنى الحق ومفهوم التحرير وحق العودة، ليتبعثر أشلاءً مع السنين. تناسى ابن المخيم بعد أن تعب كثيراً حرارة سؤاله الحارق وجريمة 15 أيار ذكرى النكبة التي حفرت ندباتها في ذاكرة العالم، لأنها أكبر جريمة في التاريخ البشري، جريمة إحلال شعب محل شعب آخر.
لم ينسَ الفلسطيني الذكرى، ولم يتناسَ، ولكن الكرنفال السنوي لإحياء الذكرى أصبح متحفاًَ وهمياً لفساد الواقع الفلسطيني والعربي عموماً. تنامى الفساد سنين، وترعرع حتى تفجّر الغضب بما يسمى الربيع العربي. احتفل المقهور في كل مكان، عربياً كان أو فلسطينياً، بالربيع. إلا أن الربيع وفاكهته كان لهما طعم آخر في فم الفلسطيني. ربما لأنه يتوق لتغير ما يعيد رسم خريطة تشرده وينهي بقاؤه طويلاً في بلاد الجوار العربي والعالم.
نسائم الربيع وصلت إلى دمشق، المدينة التي تحتضن أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، مخيم اليرموك، مخيم سبينة، مخيم خان دنون، مخيم خان الشيح، مخيم جرمانا، وقف الفلسطيني موقف الحذر: أيشارك السوري حلمه ورغبته بالتغير وانتزاع حريته؟ أم ينأى بنفسه عن دائرة الصراع؟ فدمشق توأم روحه، المدينة التي رعت حلمه محاطة بالألغام الشائكة، وما بين الخطوط الحمر والألغام الشائكة حاول الفلسطيني تجاوز صراعه الداخلي والخارجي بسؤال: أينأى بنفسه، أم يرد جميل صديقه وجاره ورب عمله وزميله السوري المتوجع؟ وكما كل مرة، الفلسطيني متهم: لم لم تتفاعل معنا أيها الفلسطيني؟ نحن الذين لم نترك مناسبة مررت بها إلا تفاعلنا معك؟ خرج ابن المخيم عن صمته حين استشهد عدد من أبنائه بتظاهرة كانت الأكبر بعد تظاهرة مدينة حماه، فأدانه السوري الآخر المؤيد للنظام، لم لم تردوا الجميل؟ ظل الفلسطيني كما كل مرة في دائرة الشبهة ما بين مؤيد ومعارض ما بين الاستقرار والانقلاب ما بين الصمت والصراخ، إلى أن أوجعتنا ضربات الميغ، فأخرجتنا من محاولات النأي بالنفس، التي كنا نمارس خلالها إنسانيتنا بدعم النازحين من المناطق المجاورة للمخيم، وهو أمر عجزت عنه دول بحجم تركيا والأردن ولبنان بإمكانات أهله ومتطوعيه شباباً ونساءً وميسوري الحال، وعقدنا العزم على أن نتحمل ضربات الهاون وقذائفه شهوراً: لن نخرج! ولن نكرر خطأنا التاريخي، إلى أن أفرغت طائرات الميغ قنابلها على رؤوسنا بغرض طرد ما يسمى عصابات المسلحين، فسقطت حممها على جوامع ومدارس وشوار ع مأهولة بالسكان، حينها فقد الفلسطيني صبره: فالموت لا يرحم.
هكذا، خرجنا مذعورين ملتاعين حاملين صخرة النكبة على ظهورنا، ساعات خروجنا مقيتة خانقة وكأنها تغريبة فلسطينية جديدة.
جميعنا وقتها تذكرنا واسترجعنا النكبة، ثم كانت النكبة الثانية في 16 كانون الأول. وما بين النكبتين مرّ الزمن سريعاً. يوم واحد اختزل سنين العمر، وعدنا ولم نعد، عدنا مرغمين إلى ذاكرة نكبتنا.
في تجربة النكبة الثانية عرف جيلنا لماذا خرج أجدادنا وآباؤنا. ولهذا، سندعوهم من هذه اللحظة إلى أن يسامحونا، لكوننا لم ندرك معنى الخوف إلا حين جربنا ما جربتموه، لم ندرك خروجكم إلا حين جربنا الموت والقتل والدمار والذعر، تجربتنا مريرة كتجربتكم: جوعكم عطشكم ذلكم مرارتكم، وكذلك ذلّنا وعطشنا وذعرنا. إلا أن الفارق بين النكبتين، نكبتكم حارقة لاهبة، ونكبتنا عاصفة وباردة. وما بين النكبتين ولدنا من جديد. اليوم، سقط من عقلنا جزء من السؤال الحارق: لماذا خرجتم؟ وبقي جزء: لم لم تعودوا؟