لعبور معبر «الكرامة»، أو جسر الملك حسين أو «اللنبي»، يجب على فلسطينيي الضفة المرور على ثلاث نقاط عسكرية، فلسطينية ثم إسرائيلية ثم أردنية، كي يصل إلى الأردن أو مطار عمان. رحلة من التفتيش المذل والانتظار لساعات طويلة والتنقل بين عدد من الحافلات صار ينفي عن المعبر القريب من أريحا اسمه، فضلا عن رسوم المغادرة الباهظة الثمن، التي يدفعها المواطن كضريبة «مغادرة»، هي أيضاً غير مستردة في حال منع من اجتياز إحدى النقاط الأمنية الثلاث.
الإهانة أثناء العبور تبلغ الذروة حين تتوقف الرحلة بأمر من السلطة الفلسطينية، أو سلطات العدو الإسرائيلية، أو الأردنية، من دون أسباب معلنة أو واضحة. كل ما يسمعه الفلسطيني جملة: «انتظر، مطلوب للاستخارات، أو ممنوع من المغادرة»، وهو أمر متكرر مع الآلاف خلال الأشهر والسنوات الماضية، في ظل «السيادة» المفترضة للسلطة. مثلاً، أول من أمس (الأحد)، منعت سلطات العدو 28 فلسطينيا من السفر ضمن «أسباب أمنية».
وفي 2015، منعت سلطات العدو 2007 مواطنين من السفر عبر ذلك المعبر بالذريعة نفسها، وفي الشهر الماضي 210 أشخاص، علماً بأن هؤلاء منعهم الإسرائيليون تحديداً، أي بخلاف المنع الفلسطيني أو الأردني. ويخرج من دائرة المنع من تقول السلطة إنها اعتقلتهم أو منعتهم من السفر لأسباب غير سياسية، أي جنائية، وذكرت أنها اعتقلت 1390 مطلوباً لها خلال العام الماضي، فضلا على 148 الشهر الماضي.

أسوأ الأوضاع منع الجانب الأردني برغم موافقة الإسرائيليين

ولأن لكل عائلة فلسطينية أقرباء في الشتات، فلا شك أن منع السفر يعني العجز عن ممارسة الحياة الاجتماعية. يروي المواطن عمر قصته مع المنع قائلا: «دخلت الأردن في عام 1990 وكان عمري آنذاك 10 سنوات، ولم أعد بعدها إلى الأردن. اعتقلني الاحتلال الاسرائيلي في السابعة عشر ومرة أخرى في العشرين لمدة ست سنوات. وفي 2007 كانت المحاولة الأولى للسفر لكن الجانب الاردني رفض استقبالي دون سبب واضح». ويتابع: «لجأت للاستخبارات، ورفضوا مقابلتي، واكتفوا بالقول (أنت غير مرحب بك في المملكة الأردنية)... حتى الجانب الفلسطيني لم يتدخل أبداً وقالت لي الاستخبارات الفلسطينية إنها لا تستطيع المساعدة!». ويعقّب عمر: «أنا الآن ممنوع من السفر، في العام الماضي توفيت شقيقتي التي تسكن في الأردن وبرغم كل المحاولات لم يُسمح لي بحضور جنازتها هناك».
في هذا السياق، يقول رئيس دائرة الرصد والتوثيق في مؤسسة «الحق»، تحسين عليان، إن غالبية الممنوعين من السفر أو الذين يجري إيقافهم هم ممنوعون من الجانب الإسرائيلي، مشيرا إلى أن «الحق» عملت على توثيق جميع الحالات التي منعها الجانب الفلسطيني أو الإسرائيلي أو الأردني. ويضيف: «لنا موقفنا القانوني في كل حالة لأننا نتحدث عن وضع مختلف لفلسطين بعد توقيع عدد من الاتفاقات الدولية والعالمية... السلطة وقعت نصا واضحا وصريحا يكفل للفلسطينيين حقوقهم».
أما عماد الدين أبو الزيت، فهو ممنوع من زيارة إخوته في الأردن وبريطانيا، ويقول: «كانت لدي مشكلة مع هيئة البترول ولجأنا للمحكمة العليا، وبرغم أن الحكم كان لمصلحتنا فإن الهيئة العامة للبترول، وهي دائرة صغيرة في وزارة المالية، منعتني من السفر ممثلة بمديرها، علما بأنه لا توجد أي قضايا مرفوعة علي من الهيئة أو جهة أخرى... قرار المنع دون محكمة!». وكلما توجه أبو الزيت إلى معبر الكرامة يوقفه «جهاز الأمن الوقائي» الفلسطيني قبل اجتياز المعبر، من دون توضيح.
من ناحية ثانية، ثمة آلاف من الفلسطينيين الممنوعين يواجهون منعاً إسرائيلياً. مثلاً، الشاب نزار ممنوع من السفر لأسباب أمنية. يقول: «لم أخرج من فلسطين أبداً، عمري الآن 26 عاما ولم أعبر جسر الكرامة بتاتاً! كنت قد تقدمت إلى عدد من الجامعات للدراسة في الخارج وحتى للعمل... كل مرة أعود بعد رفض الجانب الاسرائيلي». ويؤكد نزار أنه كغيره من منخرط في بعض النشاطات السياسية الشبابية ولكنه لم يعتقل سابقا ولم توجه إليه سلطات الاحتلال أي سبب مباشر وواضح لمنع السفر.