تونس | من أسبوع إلى آخر، يزداد الوضع السياسي في تونس غموضاً بسبب غياب التوافق داخل المجلس الوطني التأسيسي حول مسائل خلافية ستحدد مستقبل تونس، وأهمها الدستور الجديد وهيئة الانتخابات وموعدها.

آخر المستجدات التي يعيش المشهد السياسي التونسي على إيقاعها، منذ نهاية الأسبوع، هو تقرير دائرة المحاسبات الذي تضمن الإشارة إلى مجموعة من الإخلالات بالتصرف المالي للهيئة السابقة للانتخابات وتحميل رئيسها الحقوقي، الذي كان يعيش في المنفى الفرنسي، كمال الجندوبي، مسؤوليتها.
وبيّن الجندوبي في الندوة الصحافية التي عقدها يوم الجمعة الماضي، رداً على ما سماه حملة التشويه والتشكيك بعمل هيئة الانتخابات، أن التهجم على الهيئة والتشكيك في صدقيتها المالية بدأ مع حكومة حمادي الجبالي المستقيلة، في إشارة الى أن هذه الهيئة هي التي نظمت أول انتخابات شفافة.
واتهم الجندوبي الجبالي بمسؤوليته عن تسريب وثيقة غير رسمية تم توظيفها في حملة إعلامية ضد الهيئة للتخلص منها، معتبراً أن التخلص من الهيئة السابقة التي أدارت الانتخابات باستقلالية كاملة هو مشروع الترويكا بعد وصولها إلى الحكم.
وكانت الهيئة المستقلة للانتخابات موضوعاً للتجاذب السياسي بين الترويكا والمعارضة، إذ تم التخلي عن فكرة التجديد للهيئة السابقة بضغط من حركة النهضة التي نجحت في تمرير مشروع جديد يقضي بانتخاب تسعة أعضاء للهيئة الجديدة بالغالبية المطلقة داخل المجلس التأسيسي، وهو ما يعني أن من ستوافق عليهم الترويكا الحاكمة هم من سيديرون هيئة الانتخابات.
وقد اعترضت المحكمة الإدارية أخيراً على السلم التقييمي الذي اعتمده المجلس التأسيسي في اختيار المرشحين بعد اعتراض عدد من الذين تم رفض ترشيحاتهم، وهو ما سبّب أزمة جديدة في جدول عمل المجلس، وبالتالي استحالة تنظيم الانتخابات خلال العام الجاري، عكس ما وعد به رئيس الحكومة علي العريض، في بيانه الأول أمام أعضاء المجلس التأسيسي.
أزمة هيئة الانتخابات المرشحة للتفاعل تتزامن مع أزمة الدستور، إذ إن مسودة الدستور تواجه اعتراضات في بعض فصولها، وخاصة مبدأ حرية الإضراب والضمير ورفض كتلة النهضة التنصيص على «كونية حقوق الإنسان» وتمسكها بـ«ثوابت الإسلام»، وهو ما دفع عدداً من الحقوقيين إلى اعتبار مسودة الدستور تأسيساً للدولة الدينية وكذلك الاختلاف حول صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ويُفترض أن يبدأ التصويت على فصول الدستور فصلاً فصلاً في قراءة أولى وثانية، على أن يحوز مصادقة الثلثين. وهو أمر يبدو مستحيلاً بما يرجّح إمكانية اللجوء إلى الاستفتاء، وبالتالي دخول البلاد في حالة من الفراغ الدستوري لأن القانون المنظم للسلطة العمومية المعروف بـ«الدستور الصغير» لا ينص على المسار السياسي في حال رفض الشعب المصادقة على الدستور.
أزمة الدستور أصبحت هي الشغل الشاغل للتونسيين، فبعد عام ونصف من صعود الترويكا إلى الحكم وانطلاق أعمال المجلس التأسيسي لا يزال نسق التقدم في كتابة الدستور بطيئاً، ما انعكس على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ذلك أن طول المرحلة الانتقالية الثانية أربك البلاد وأفقد الحكومة ثقة الشعب والشركاء في الخارج، إلى جانب انهيار صورة المجلس التأسيسي في الشارع على خلفية أزمة ازدواجية الأجور وارتفاع المنح في بلد يصل فيه عدد العاطلين من العمل إلى ١٠ في المئة تقريباً من السكان.
الخلافات حول الدستور لم تبق مقتصرة على الترويكا والمعارضة، بل امتدت إلى الترويكا نفسها، إذ يتهم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية حركة النهضة بالسعي الى بناء نظام برلماني بتجريد رئيس الجمهورية من أي صلاحيات، على عكس ما تم التوافق عليه في مرحلة سابقة.
كذلك اتهم حزب التكتل من أجل العمل والحريات شريكه الثاني في الحكم بـ«التواطؤ» مع «النهضة»، وخاصة رئيس المجلس الوطني التأسيسي والأمين العام للحزب مصطفى بن جعفر.