القاهرة | في مصر، يكفي ذكر اسم الجيش لشحن المشاعر. وتكوين إما حنين، من قبل المعارضة المحافظة، الى السلطة الغاشمة المستندة الى هيبة السلاح من ناحية، أو الى التاريخ السياسي البراق الذي يعود الى اندفاع المؤسسة العسكرية الى السياسة بعد ثورة يوليو.. وإما أن تكون هذه المشاعر نفوراً عميقاً من تلك السلطة، التي كشفت عن انحيازها لقواعد الدولة القديمة العميقة، التي تنحدر منها.

واستناداً الى هذه المشاعر، يمكن تفسير ردود الأفعال، التي انفجرت عقب قرار المحكمة الدستورية العليا بالسماح لأفراد الجيش والشرطة بالتصويت في الانتخابات، سواء لجهة الحزب الإسلامي الحاكم أو المعارضة.
«جبهة الإنقاذ الوطني»، التي تعدّ أبرز تحالفات المعارضة الرسمية، سرعان ما انحازت الى رأي المحكمة الدستورية العليا. وقال إيهاب الخراط، عضو مجلس الشورى عن الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي، وهو حزب يضم طيفاً سياسياً يمتد من يمين الوسط الى يسار الوسط، إنّ الجبهة تؤيد قرار المحكمة الدستورية العليا، الذي تضمن رفضاً لاستمرار حظر التصويت في الانتخابات على أفراد الشرطة والجيش.
الخراط ردّ على المخاوف من انحياز أفراد القوات خصوصاً أكثر الخيارات الانتخابية محافظة وصولاً الى الانحياز لمرشحي «الدولة القديمة» على خلفية هيمنة القيادات المتوقعة على المجنّدين وصغار الضباط، قائلاً لـ«الأخبار» إنه يعتقد أن تلك الدولة القديمة آفلة بالفعل من ناحية، وأن الأمر لا مفرّ منه من ناحية أخرى في سياق مرحلة انتقالية متعسرة على طريق الديموقراطية. وأضاف «على نفس المنوال، ما كان يجب أن تسمح ديموقراطية ناشئة بتأسيس أحزاب على أساس ديني، لكن هذا ما حصل وسمح بإيصال الاخوان والسلفيين الى الحكم» بالانتخابات. ولم يستبعد أن تسعى المعارضة الى جذب أصوات الناخبين الجدد، خصوصاً أفراد الجيش، عبر محاولة سن قوانين تحد من استمرار تشغيل المجندين بالسخرة في الشركات المدنية المملوكة للجيش.
أما جماعة الاخوان المسلمين التي ينحدر منها الرئيس محمد مرسي، فسرعان ما أعلنت رفضها لقرار المحكمة. وقال المتحدث الإعلامي، أحمد عارف، «ليس من العقل الدفع بكيانات نظامية مهنية كالجيش والشرطة إلى الشارع السياسي، خاصة في التجربة الديموقراطية الوليدة»، مشيراًَ إلى أن «معظم الأحزاب ما بعد الثورة تعثرت في بناء تنظيماتها باحتراف سياسي. لم تنجح محاولات جر الجيش إلى معترك السياسة؛ فهل يحاول البعض جر السياسة إليه؟ ولمصلحة من؟».
ونقل موقع الإخوان عن مراد علي، المستشار الإعلامي لحزب «الحرية والعدالة»، قوله إن طلب المحكمة الدستورية بمشاركة العسكريين في التصويت بالانتخابات غريب ويثير علامات استفهام كثيرة. وأضاف: «هناك من يصر على جر الجيش والشرطة للصراع السياسي بأي شكل. هل هناك عاقل يقبل أن تمارس السياسة والدعاية الانتخابية في الثكن؟ وهل من المقبول أن يشارك ضابط شرطة أو ضابط جيش في الحملة الانتخابية لأحد الأحزاب؟».
وكانت المحكمة الدستورية قد أقرّت أنّه «لا يجوز حرمان أي مواطن من ممارسة حقه الدستوري في الانتخاب متى توافرت فيه شروطه، إلا إذا حال بينه وبين ممارسته مبرر موضوعي مؤقت أو دائم، يرتد في أساسه إلى طبيعة حق الاقتراع وما يقتضيه من متطلبات.. ومن ثم يكون حرمان ضباط وأفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة من مباشرة حقوقهم السياسية طوال مدة خدمتهم بسبب أدائهم لهذه الوظائف ينطوي على انتقاص من السيادة الشعبية وإهدار لمبدأ المواطنة».
ويرى أحد قضاة المحكمة الدستورية العليا، طالباً عدم ذكر اسمه، في حديث لـ«الأخبار»، في قرار المحكمة بأنها «المرة التي أتيح لها فيها النظر في قانون الانتخابات بمنطق الرقابة السابقة على إصدار القوانين لا الرقابة اللاحقة كما كان في السابق». وأضاف «ما من مخرج للازمة الا تعديل القانون بطبيعة الحال والأمر لا يحتمل أي حل ثالث».