تونس | أعادت المواجهات التي عاشتها مدينة بنزرت شمال تونس، أول من أمس، بين الباعة الفوضويين وقوات الأمن، إلى الأذهان مأساة مفجر الثورة التونسية والعربية محمد البوعزيزي، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على منعه من نصب عربته في مكان يمنع فيه الوقوف.

فقد سقط في هذه المواجهات رجل مسنّ اختناقاً بالغاز، كما أصيب عدد من عناصر الأمن بسبب رفض الباعة المنتصبين في شوارع المدينة الانتقال إلى الفضاء التجاري الجديد الذي أعدّته لهم البلدية. وأصبحت هذه الظاهرة منذ سقوط النظام السابق كابوساً للمواطنين والحكومة على حد سواء في كل المدن التونسية، لكنها تبقى حلاً مسكّناً لآلام البطالة. هي ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مواجهات بين الباعة الفوضويين مع قوات الأمن والجمارك، فهذا القطاع غير المنظّم المعروف بالتجارة الموازية والذي أصبحت له «أسواق» فوضوية في الشوارع والساحات العامة يشغّل آلاف التونسيين الذين وجدوا في هذه التجارة مسكّنات لآلام البطالة. لكن هذا يطرح مشكلة كبيرة ستعجز أي حكومة عن مواجهتها، فالتجارة الفوضوية التي تتخذ من الشوارع والساحات فضاءً لها أثّرت سلباً على جمالية المدن التونسية وعلى حركة المرور، لكنها في الوقت نفسه تمثل حلاً لآلاف العاطلين من العمل.
ورغم سعي عديد البلديات إلى تنظيم هذا القطاع الحيوي بتخصيص أسواق لهؤلاء الباعة، إلا أنهم يرفضون الانتقال إليها لأن مردوديتها ستكون أقل، يضاف إلى ذلك الضرائب والرسوم.
وقد مثلت المواجهات في مدينة بنزرت، أول من أمس، نموذجاً لهذا السيناريو الذي سيتكرر في كل المدن.
وتأتي البضائع المعروضة من ملابس وأوان منزلية وآلات إلكترونية وسجائر من مسالك التهريب من ليبيا والجزائر التي نشطت بشكل غير مسبوق بعد انهيار النظام السابق، إلى حد مواجهة قوات الجمارك باستعمال السلاح.
وكانت العائلات القريبة للرئيس الأسبق بن علي، وخاصة عائلة الطرابلسي تسيطر على هذا القطاع من خلال شبكة من الموردين والموزعين، إذ إن السلع التي يورّدها أصهار الرئيس في حاويات كبيرة من الصين وبلدان آسيوية أخرى وعبر الحدود التونسية الليبية والجزائرية لم تكن تخضع للضرائب.
ولهذا السبب، يقبع الآن عدد من المسؤولين في الجمارك والتجارة في السجون، بينهم وزير التجارة والمدير العام للجمارك سليمان ورق، بسبب تسهيله عمل الشبكات المرتبطة بأصهار الرئيس المخلوع عندما كان في منصبه.
بعد هروب بن علي، انتهت شبكة الأصهار. لكن نشاط المهربين أصبح أكثر كثافة وتنوعاً بسبب الهشاشة الأمنية على الحدود. وفي الوقت الذي تعول فيه الحكومة على المبالغ المالية المنهوبة من حساب البنك المركزي، قضت المحكمة الأوروبية برفع الحذر عن الأموال المجمدة لحسابات ثلاثة من أبرز أصهار بن علي ومن أكثرهم ثراءً ونفوذاً في السابق، وهم: بلحسن الطرابلسي شقيق زوجته ليلى الطرابلسي المقيم في كندا، وسليم شيبوب زوج ابنته من زوجته الأولى المقيم في دولة الإمارات، وصخر الماطري زوج ابنته الكبرى من ليلى بن علي المقيم في قطر.