الخرطوم | في أعقاب تصريح خبراء سودانيين في مجال المياه بأن السودان سيجني فوائد شتى من إنشاء سد النهضة الإثيوبي، أعلنت الخرطوم أمس أنها غير منزعجة من تحويل المصب. وأعلنت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، أن «الجهات الفنية في وزارة الكهرباء والموارد المائية أكدت أن الخطوة الإثيوبية الأخيرة لا تسبب للسودان أي أضرار». وأشارت الوزارة إلى وجود «مشاورات وتفاهمات» بين السودان وإثيوبيا ومصر بشأن المشروع، بحسب البيان الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية (سونا).


كما أكد البيان على التزام السودان بالتعاون مع إثيوبيا ومصر في ما يتعلق بمياه النيل «لتحقيق أكبر فائدة مشتركة للدول الثلاث»، لأنه سيحجز كمياتٍ كبيرة من الطمي الذي يؤثر سلباً على سدود السودان والتي افقدتها أكثر من نصف طاقتها التخزينية والتوليدية.
كذلك سيطيل «النهضة» عمر السدود السودانية وينظّم انسياب النيل الأزرق إلى السودان ومصر ويقلل من خطر الفيضانات فيها. بالاضافة الى أن التبخر في السد الجديد محدود مقارنةً بسدود مصر والسودان بسبب موقع السد في وادٍ عميق وأيضاً بسبب الطقس المعتدل في إثيوبيا. وفيما بدت المقاربة السودانية مختلفة عن المقاربة المصرية في ملف المياه، لا يزال هناك اعتقاد سائد لدى النخبة السودانية، بأن الاستخبارات المصرية استطاعت وطوال الـ(50) عاماً الماضية أن تضمن موقف السودان الثابت بجانب مصر، لتشكل الدولتان كتلة واحدة في ما يخص توزيع مياه النيل.
وفي وقت سابق استطاعت الحكومة المصرية ابرام مساومة سياسية حدثت بين الدولتين في عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الزمت بموجبها الحكومة السودانية القائمة الآن باتخاذ مواقف داعمة لمصر في ملف المياه في مقابل تغاضي مصر عن ملاحقة مرتكبي محاولة اغتيال مبارك في العاصمة الإثيوبية اديس ابابا منتصف تسعينيات القون الماضي، غير أن أصول اللعبة تغيرت بذهاب أحد طرفيها بعد سقوط نظام مبارك، في حين تؤكد مصادر مطلعة أن الحكومة السودانية تمسك ببطاقة مياه النيل مع مصر مقابل ملف حلايب واعتراف الجانب المصري بتبعيتها للسودان. ويرى الخبير في شؤون المياه سلمان أحمد سلمان، ان ليس من مصلحة السودان رفض اتفاقية عنتيبي حول مياه نهر النيل والوقوف بجانب مصر ضدها، وشرح سلمان لـ«الأخبار» ان السبب الرئيسي الذي يُرغم الحكومة السودانية على عدم الانضمام لاتفاقية عنتيبي هو فشل السودان في استعمال حصته من المياه البالغة 18.5 مليار متر مكعب حسب اتفاقية عام 1959، إذ إن استعمالات السودان لم تتجاوز 12 مليار متر مكعب فقط. في حين ان مصر تعتمد بشكل شبه كلي على النيل في تلبية حاجاتها المائية.
ومن غير المستبعد أن تنشأ حرب مياه في منطقة حوض النيل وان كانت بصورة غير مباشرة، فقد سبق أن نشأت حروب خفية بين مصر واثيوبيا بسبب مياه النيل.
وتعوّل الحكومة الإثيوبية كثيراً على امكانية تغير موقف الحكومة السودانية التي تعتبرها صديقة لها، من واقع امساك اثيوبيا بواحد من أهم الملفات السودانية، وهو المفاوضات مع الجنوب، واستضافتها لكل جولات التفاوض، بل ولعب دور الوسيط في تقريب وجهات النظر بين السودان والجنوب.
وأصبحت القاهرة تنظر الى السودان باعتباره مورداً اقتصادياً لا ينضب، وهو ما يعزز من فرضية ان ترتمي الخرطوم في أحضان اثيوبيا التي تمثل لها عمقاً أمنياً من ناحية الجنوب الشرقي الذي يشهد حراكاً ثورياً ضد النظام السوداني في ولاية النيل الأزرق بقيادة مالك عقار.
ويبدو لافتاً صمت الادارة السودانية عن الادلاء بأي تصريحات سالبة ضد خطوة اثيوبيا الأخيرة، على الرغم من أن موقف الخرطوم المعلن هو التحفظ على قيام سد النهضة خشية التأثير على حصتي الدولتين من المياه.
بينما تسعى اثيوبيا في خطوات دبلوماسية جادة إلى حشد اكبر دعم لمشروعها الاستراتيجي.
وبحسب المتحدث الرسمي باسم خارجيتها، فإن إثيوبيا حثت دول المنبع على الاسراع في التوقيع على اتفاق عنتيبي الاطاري، حتى تجد كل من مصر والسودان نفسيهما امام الأمر الواقع.
وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها مصر لاستمالتها إلى جانبها في قضية مياه النيل، بدعمها مادياً وعينياً بإنشاء المرافق الخدمية المهمة؛ إلا أن جنوب السودان أعلن بوضوح جهوزيته للانضمام لاتفاقية عنتيبي الاطارية، باعتبار أن دول المنبع هي الأقرب إلى الجنوب جغرافياً ووجدانياً. بل هناك تمازج قبلي بينه وبين العديد منها.
ويأتي التخوف الأساسي بالنسبة لمصر تحديداً من عدم وقوف دولة جنوب السودان بجانبها، من أن تستغل اسرائيل الدولة الوليدة لتنفذ من خلالها وتمثل مهدداً حقيقياً لأمن مصر والسودان.