شاء القدر أن تحطّ قافلتهم في هذه البلاد، ليعيشوا مسلسلاً من الرعب والترحال القسري نحو الموت، فيما كان مصير من كُتبت له النجاة من القتل أن يبتلعه البحر أو تفترسه وحوش الغابات. هذه هي حال قبائل الروهينجيا المسلمة في ميانمار، تعاني الاضطهاد على أساس عرقي وديني على أيدي سكان البلاد الأصليين من البوذيين منذ مطلع الثمانينيات، بينما كان الصيف الماضي نقطة تحول كبيرة على صعيد ارتفاع وتيرة العنف ضدهم إلى مستوى ارتكاب المجازر الجماعية.
في إقليم «آراكان» الغربي من جمهورية اتحاد ميانمار (بورما سابقاً)، مشهدٌ يعيدك بالزمن الى القرون الوسطى. ففي ذلك الإقليم المنسي، يتعرض شعب بأكمله للإبادة؛ تحزّ رؤوس من دون تمييز بين شبان أو أطفال أو نساء أو شيوخ، وينكّل بالجثث، أما النساء فيغتصبن ويرمين في المحيط الهندي.
في عام 2012، وعلى أثر إعلان السلطات البورمية مقتل فتاة بوذيّة وتعرضها لاغتصاب جماعي من أشخاص ينتمون الى «الروهينجيا»، أعلنت حرب شعواء على المسلمين، فقامت مجموعة من البوذيين المتطرفين باعتراض حافلة صغیرة كانت تقل مجموعة من دعاة جماعة التبلیغ المسلمة، وقتلت عشرة أشخاص ضرباً بالعصي على وجوههم ورؤوسهم، بعدما ربطت أيديهم وأرجلهم، في صورة تنعدم فيها كلّ معانِي الإنسانيّة.
مجازر دامية خلّفت وراءها آلاف القتلى والجرحى والمشردين الذين فروا باتجاه الغابات محاولين عبور خليج البنغال، بعدما رفضت حكومة بنغلادش استقبالهم. البحر كان خيارهم الوحيد. صعد المسلمون العاجزون على متن السفن المتهالكة بلا طعام أو شراب، فكان الموت في انتظارهم.
«إنها رحلة الموت الى ترحال الموت»، بهذه الكلمات يتحدث أحد الناجين. ويقول لـ«الأخبار» «لقد كنا نكافح ضد الغرق. لم يكن معنا ما يكفينا من طعام نسد به رمقنا، وكان علينا أن نشرب مياه البحر من أجل البقاء. رمينا كل من يموت في البحر. لن أنسى هذا الرجل الذي هرب مع عائلته في البحر. وعلى متن القارب مرضت زوجته وتوفيت فقالوا له: ألقي بها في البحر، ففعل. وما هي إلا لحظات حتى ماتت طفلته من الجوع، ففعل ما فعله مع زوجته ليلقي بطفتله إلى جوار أمها».
يذكر أنّ وكالة أنباء الروهنجيا قد أعلنت يوم الثلاثاء الماضي أنّ موظفي الإغاثة في بورما عثروا على 45 ناجياً، 40 منهم في حالة خطرة، بعد غرق مركب كان يقل ‏‏200 مسلم روهنجي خرجوا من قرية «كراك غري» قاصدين «ساندامة» هرباً من هجمات البوذيين.
أمام تلك المجازر، بدا التورط الحكومي منحازاً الى جانب البوذيين. المسلمون الذين شعروا بالغبن جرّاء تخاذل السلطات، انطلقوا في تظاهرات سلمية مطالبين الحكومة بالتحقيق. «الحكومة التي تتعامل معنا على أنّنا وباء، أطلقت النار علينا وقتلت العشرات»، يقول أحد الشهود لـ«الأخبار». «لا حول لنا ولا قوة هنا، فالعالم ينأى بنفسه عنّا. ألسنا بشراً قبل أن نكون مسلمين؟»، يتابع، قبل أن يتدخل صديق له ليروي تجربته. يقول «سأشارككم في مأساتي لتنقلوها الى العالم. أثناء اندلاع الأحداث، اقتحمت مجموعة من حرس الحدود منزلي في منتصف الليل. كنت أنا وابنتي الوحيدة التي تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً نتناول طعام العشاء. ابنتي، التي ماتت أمها بعد يوم من ولادتها جراء الإهمال الطبي في القرية، اغتصبها الوحوش أمام عيني بعدما ضربوني وكبّلوا يديي ورجلي ورموني على الأرض». ويضيف بحرقة «رأيت جسدها الطري الصغير يتلوى ويقاوم، بينما أظافرها تنهش وجوههم. صرخت، بكيت، توسلت، ناجيت ربي، لكن أحداً لم يسعفها».
هذه واحدة من بين مئات القصص لفتيات تعرضن للاغتصاب في بورما. القصص تتشابه والمعاناة واحدة. ففي عام 2002 أصدرت الحركة التايلاندية «شان للنساء» تقريراً تحت عنوان «رخصة للاغتصاب»، كشفت فيه عن 625 حالة اغتصاب تعرضت لها النساء في بورما من قبل أفراد من القوات العسكرية ما بين عامي 1996 و2001. وأكّد التقرير أنّ الاغتصاب يستخدم كسلاح في الحرب العسكرية التي تشنها بورما على الأقليات العرقية، مشيراً الى أنّ 61% من حالات الاغتصاب تمّت داخل القواعد العسكرية.
في بورما معاناةٌ تُعرف بداياتها أما نهاياتها فلا... في شهر آذار الماضي، وقعت محرقة «ميكتيلا» و«باقو». والسبب؟ فتاة مسلمة صدمت بدراجتها عن طريق الخطأ أحد الرهبان. المجزرة راح ضحيتها أكثر من 350 مسلماً وشرّد 12 ألفاً آخرون. وكالة الأنباء الألمانية نقلت عن شهود قولهم «حتى أشجار المانغو لم تنج من الحرق على أيدي مجموعة من غوغاء البوذيين».
«الإبادة الجماعية في البلاد لن تتوقف حتى تتم تصفية جميع المسلمين»، يقول ناشط بورمي لـ«الأخبار». ويتابع «الراهب البوذي ويراثو، الذي يطلق على نفسه اسم «بن لادن بورما»، ينشر الكراهية والحقد في البلاد من خلال توزيع النشرات والتحريض على العنف». ويتابع الناشط «الشبان المسلمون يقضون أوقاتهم خارج البيوت مختبئين في حقول المزارع وفي أعالي الجبال، خوفاً من حملة الاعتقالات العنيفة والمعلنة ضدهم».
«ويراثو» هو الزعيم الرئيسي لحركة «969» القومية المتعصبة. وقد أعلن أخيراً لصحيفة «الغارديان» البريطانية أنّه لا يخجل من آرائه تجاه المسلمين الذين يحولون نساء البوذيين إلى مسلمات، حسب قوله.

أطفال يُحرقون ويجنّدون

تداول نشطاء بورميون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر طفلاً من الروهنجيا وهو يبكي في حالة هيستيرية، بعدما ذُبح والداه أمام عينيه. ويُسمع في الفيديو صوت أحد الأشخاص وهو يروي حكاية الطفل قائلاً «الطفل الذي شاهد والداه يذبحان أمام عينيه يعاني من صدمة نفسية منذ خمسة شهور».
وأفاد تقرير صادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» لحقوق الإنسان بأنّ أطفال الروهنجيا يمزّقون إرباً ثم يحرقون على أيدي الجماعات البوذية المتطرفة، وبمشاركة من السلطات البورمية التي تهاجم قرى المسلمين وتقتل النساء والأطفال.
وفي تقرير آخر حمل عنوان «بيعوا كي يكونوا جنوداً»، أكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أنّ النظام العسكري في بورما يجند الأطفال للخدمة في صفوف الجيش، بعد أن ينتزعهم بالقوة من عائلاتهم اعتباراً من عمر العشر سنوات. وأشار التقرير الى أنّ العسكريين يرصدون الاطفال في محطات القطارات والطرق وفي الاسواق وفي الساحات العامة، ويهددونهم ويضربونهم في حال رفضوا تنفيذ أوامرهم. وقال الطفل مونغ زاوو للمنظمة «ملأوا القسائم وسألوني عن عمري، ولما قلت ستة عشر عاماً صفعوني وقالوا لي عمرك ثمانية عشر عاماً. أجب ثمانية عشر عاماً».

سحب الجنسية

لم تكتف الحكومة البوذية بإذلال المسلمين، بل حرمتهم من حقوقهم الانسانية والمدنية. ففي عام 1982 أصدرت السلطات البورمية قانوناً للجنسية يقسم المواطنين إلى درجات، وصنّفت المسلمين على أنّهم أجانب من الدرجة الرابعة دخلوا بورما لاجئين أثناء الاستعمار البريطاني. وعلى هذا الأساس تم سحب الجنسية منهم، فصاروا بلا هوية في وطنهم، وأصبح بإمكان الحكومة ترحيلهم خارج البلاد في الوقت الذي تشاء. «مخطط إخراجنا من آراكان لا يزال موجوداً»، يقول الشاب الآراكاني محمد لـ«الأخبار». «الحكومة أعلنت عام 2010 تغيير نظام الدولة من نظام عسكري إلى نظام ديموقراطي، لكن شيئاً لم يتغيّر. نحن محرومون من التصويت في الانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات وممارسة النشاطات السياسية»، يقول. يُذكر أن السلطات البورمية تقوم منذ أكثر من ثلاثة أشهر بحصر السكان الروهنجيين وتسجيل صفة «بنغالية» في خانة الجنسية لإثبات أنهم مهاجرون غير شرعيين قدموا من بنغلاديش.
يروي عطا الله قصة معاناته في الحصول على عمل، قائلاً «قضيت أياماً آكل جذوع أشجار الموز لأني لا أجد مصدر رزق». ويضيف «قبل اندلاع الأحداث العرقية الأخيرة كنا نجد في بعض الأحيان أعمالاً بأجور زهيدة (4 دولارات في اليوم)، كحصاد الأرز وشقّ الطرقات، أما اليوم فالسلطات تغلق باب التوظيف علينا أو تجبرنا على الاستقالة».
ويشار إلى أن الحكومة البورمية تمنع المسلمين من الالتحاق بالوظائف الحكومية مهما كان تأهيلهم، إلا في بعض الوظائف التي يحتاج إليها العسكر، فيُعيّن المسلمون بلا رواتب، ويُجبرون على دفع تكاليف مواصلات الجيش عند قيامهم بالجولات التفتيشيَّة للقرى.
واتَّخذ النظام البوذي في بورما إجراءات قاسية لطمس الهوية الإسلامية، عن طريق هدم المساجد والآثار الإسلامية، ومنعت الحكومة البوذية القيام بأعمال الترميم أو إعادة بناء المساجد التي تهدمت بفعل عوامل الزمن. كذلك عمدت الحكومة إلى رفع أسعار السلع الغذائية الضرورية في الأحياء ذات الغالبية المسلمة، ما أدى الى تفشّي المجاعة وانتشار الأمراض.
ولا يقتصر التمييز على الجانب السياسي والإداري، بل يحرم أبناء المسلمين من الدراسة العليا في المدارس الحكومية، إلا بشرط تغيير اسم المسلم إلى اسم بوذي، ولا يُسمح للمدارس بتعليم طلابها العلوم الحديثة والتكنولوجية، كذلك يمنع المسلمون من السفر إلى الخارج لطلب العلم.




معاناة تاريخيّة

ينحدر سكان الروهينجيا من جذور هندية وفارسية وتركية وعربية. لكن هذه الأقلية استوطنت تاريخياً في إقليم آراكان، الذي كان كياناً مسلماً مستقلاً، احتلته دولة بورما البوذية في عام 1748. وتبلغ نسبة المسلمين في بورما نحو20 في المئة، وهم الطائفة الثانية بعد البورمان، الذين تعود أصولهم الى التيبيت الصينية. أما معاناة المسلمين في آراكان فتعود الى حقبات قديمة؛ في بدايات الحرب العالمية الثانية وأثناء غزو اليابان لبورما، التي كانت تحت الحكم البريطاني، قُتِل أكثر من خمسة آلاف مسلم على أيدي «الراكين» المتعصبين قوميّاً، وفرّ الآلاف الى الهند المجاورة. تعرض المسلمون في العام نفسه على أيدي «بوذيي الماغ» و«البورميّين»، وبدعم من المستعمر البريطاني، لمجازر وحشية راح ضحيتها مئة ألف مسلم وتشرد منهم الآلاف الى بنغلادش، حسبما أفادت إحصائيَّة وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.