مؤشرات عديدة توحي بأن ثمّة متغيّراً كبيراً قد حصل، أو على وشك أن يحصل في الأيام القليلة المقبلة في المملكة السعودية، رغم محاولات العائلة المالكة، وجناح الملك عبد الله على وجه الخصوص، تأجيل الكشف عن هذا المتغيّر، دع عنك الآثار المترتبة عليه.


التغييرات المفاجئة في الجهاز البيروقراطي بدأت منذ أكثر من عام، وتجري غالباً تحت عنوان صراع الأجنحة، حيث بدت السلطة منقسمة بين ثلاثة أجنحة: جناح الملك عبد الله، وجناح ولي العهد الأمير سلمان، وجناح آل نايف، فيما تعرّض جناحا الملك فهد والأمير سلطان لضربة قاصمة أبعدت أبناءهما عن خط وراثة العرش.
سوق الشائعات حول مصير الملك عبد الله بات نشطاً هذه الأيام، ويذكّر بما جرى في نهاية عام 2011، حيث سرت شائعات قوية تفيد بدخول الملك في حالة موت سريري، وأن الأطباء أخفقوا في تحريض العضلة القلبية بالصعقات الكهربائية أكثر من مرّة، وأنه يعيش على جهاز التنفس الاصطناعي. وها هي أجواء مشابهة تشهدها المملكة مجدداً.
صحيفة «الدايلي ميل» البريطانية، تبنّت في 28 من أيار الجاري خبر وفاة الملك عبد الله كلينيكياً، لكنّها عادت وأزالت الخبر من موقعها على الشبكة، فيما نشرت صحف محلية خبر ترؤّس الملك للجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء يوم الإثنين 27 حزيران الماضي. وما قيل عن انعقاد جلسة مجلس الوزراء برئاسة الملك عبد الله يأتي في سياق احتواء الشائعات، كذلك البرقيات الى ملك البحرين وأمير الكويت من قبل الملك، التي تؤدّي الغرض نفسه.
قوانين الطبيعة تؤكّد نهاية العمر الافتراضي للملك عبد الله، وليس في شائعات من هذا القبيل ما يبعث الدهشة. تماماً كما أن تكرار الشائعات ليس مستغرباً؛ ففي غضون عامين غيّب الموت ستة من إخوة الملك عبد الله، وجميعهم أقلّ سناً منه. وكانت شائعة وفاة الملك عبد الله قد انطلقت في 25 أيار الماضي من قبل مصادر تزعم بأنّها مقربّة من قصر الملك، وتفيد بوفاة الأخير في 24 أيار، وأنّ عدم الإعلان يعود الى قرار من الأمير سلمان، ولي العهد، الذي تقول المصادر إن لديه خطة ما وراء تأخير الاعلان. وينسب المصدر نفسه خبر الوفاة الى أمير مقرّب جداً من الملك، وآخر مقرّب من قصر الملك.
مهما يكن، فإن توقيت إعلان الوفاة كان دائماً مسألة خلافية، تماماً كما هو إعلان طبيعة مرض الملك وكبار الأمراء. وغالباً ما كانت البيانات الصادرة عن الديوان الملكي حول سفر الملك وكبار الأمراء إلى الخارج لأسباب صحيّة تكتفي بعبارة (إجراء فحوص طبيّة)، وتُختم غالباً مع اقتراب العودة الى الديار بعبارة (قضاء فترة نقاهة). ثم تبدأ التكهنات الى أن يحسم بيان ثالث من الديوان الملكي نبأ وفاة الملك أو الأمير.
في جميع الأحوال، فإنّ عاملين رئيسين يحرّضان بقوة على رواج الشائعات: عامل السن، فالملك عبد الله يبلغ من العمر 89 عاماً، والمرض، إذ إنه يعاني أمراض الظهر والشيخوخة. وكذلك حال الأمير سلمان، ولي العهد، الذي يبلغ 80 عاماً بحسب التقويم الهجري، ويعاني أمراض القلب وأعراض مرض الزهايمر.
أحد المتابعين لموضوع الخلافات الداخلية نفى شائعة وفاة الملك عبد الله، وقال إن سبب تداولها يعود الى قرار الملك بالاعتكاف المؤقت عن مزاولة مهماته بسبب أوضاعه الصحية والنفسية، فيما ينسب بعض العارفين بأحوال صراع الأجنحة خبر موت الملك الى معارضيه الذين يخشون من أن الملك يقوم بخطوات تمهيدية تؤدي الى تولي ابنه متعب، وزير الحرس الوطني الجديد، العرش.
الكلام حول نقل السلطة الى الجيل الثالث خفّ سريعاً، وخصوصاً بعد تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء. وبدت عملية نقل السلطة كما لو أنها تأخذ شكل تقاسم حصص بين الأجنحة الرئيسية الثلاثة، وخصوصاً بين أبناء الملك عبد الله وسلمان ونايف.
إزاحة أبناء فهد وسلطان من دائرة التوارث على العرش، وتالياً تحويل مؤسسة الحرس الوطني الى وزارة، ينطويان على تغييرات دراماتيكية في معادلة السلطة، حيث تصبح وزارة الحرس الوطني موازية لوزارتي الدفاع والداخلية. وهكذا يصبح لابن الملك، الأمير متعب بن عبد الله، فرصته في الوصول الى العرش، عبر وزارته الجديدة. وكان التقليد السابق يقوم على أن يكون وزير الداخلية هو المرشّح الأوفر حظاً لتولي منصب النائب الثاني، ثم ولاية العهد، لكن عقب تحويل الحرس الوطني الى وزارة، اصبح لجناح الملك عبد الله إمكانية راجحة جداً للبقاء في خط التوارث على العرش لأمد مفتوح، وهذا ما يجعل التنافس محتدماً بين الأجنحة الثلاثة السالفة الذكر.
قد يكون تحويل الحرس الوطني الى وزارة على رأسها ابن الملك عبد الله، الخطوة الأكثر جرأة في مجمل القرارات الصادرة عن الملك، وقد تؤشر الى التغيير الكبير المنتظر وقوعه أو الإعلان عنه في الأيام القليلة المقبلة. وفي كل الأحوال، فإن صراع الأجنحة سيأخذ وتيرة أسرع وأشدّ خطورة في المرحلة المقبلة، في ظل حركة الإزاحة الواسعة النطاق لأجنحة رئيسية وتهميش عدد كبير من الاجنحة والأمراء من كل الأجيال.