بعد الاتفاق الأميركي _ الروسي، وفي ظل شبه إجماع مختلف الأطراف المعنيّة بالشأن السوري، الذي يحوزه مؤتمر «جنيف 2»، المزمع عقده في الفترة القليلة المقبلة، لم يعد مبدأ «التفاوض مع النظام» مسألة خلافية في ما بين أطراف المعارضة السورية، بعد أن كان كذلك خلال المراحل السابقة من فصول الأزمة السورية. الجدل يدور اليوم حول تفاصيل تتعلق بالنقاط التي سيجري التفاوض عليها، وتشكيل الوفود وصلاحيّاتها، ومشاركة هذا الطرف أو ذاك، من أفرقاء إقليميين ودوليين.


يبدو أنّ اللاعبين جميعاً قد أدركوا أهمية الفاعلية السياسية التي من المفترض أن يطلقها المؤتمر المقبل، مع ما يعنيه ذلك من إعادة ضبط المشهد السوري، وتوجيه مسارات الحركة المتسارعة نحو تشكيل ملامح سوريا ما بعد الحرب. ولعلّ بعضاً من أهل السلطة والمعارضة عادوا إلى حكمة التاريخ. فالصراع بين متخاصمَين قد يؤدي إلى انتصار أحدهما، لكنّه قد يؤدّي إلى القضاء عليهما معاً.
لم يعد الخطاب الرسمي للنظام مقتصراً على حكاية «المؤامرة الكونية»، و«مكافحة الإرهاب». ثمّة اعتراف بوجود «آخر» لا بدّ من التفاوض معه، دون اشتراط أن يحصل التفاوض في العاصمة السورية دمشق، «تحت سقف الوطن». لعلّ «السقوف» تغيّرت أيضاً، بدلالة سقف التفاهم بين موسكو وواشنطن. و«التدخل الخارجي» في سوريا، بمختلف مستوياته، هو الآخر، ليس مثار خلاف بين الأطراف، كما كان في السابق. «لاءات» هذا الطرف، و«ولاءات» ذاك، و«تحالفات» غيرهما، و«ثوابتـ»ـهم جميعاً، لم تعد لتغيّر من حقيقة دور الخارج وأهمّيته، فهو جزءٌ من الحل، كما كان على طول الخط جزءاً من المشكلة.
يمكن القول إنّ تفكيراً واقعياً بدأ يشقّ طريقه، في سياق البحث عن مخرج يضع حدّاً للوضع الراهن، بعد أن استمرّ طرفا النزاع الرئيسيان في تجاهل الواقع، على امتداد الزمن العسكري للأزمة. فرغم تبدّل موازين السيطرة، في هذه أو تلك من جبهات القتال المتعدّدة، لا يبدو أنّ أيّاً من الطرفين قادرٌ على «حسم» الصراع عسكريّاً لمصلحته بشكل نهائي. وشيئاً فشيئاً يغدو الهدف من العمليات العسكريّة تحسين كل طرف لموقعه التفاوضي، خصوصاً أنّ المفاوضات المقبلة ستشكّل عامل ضغط وإحراج، للنظام كما للمعارضة، نتيجة طول أمد الصراع، وتكلفته البشريّة والاقتصاديّة الباهظة، التي يدفعها الشعب السوري يوميّاً، بجميع مكوّناته. والمؤكّد أنّ غالبيّته قد ضاقت ذرعاً من استمرار المتاجرة بمآسيه وتضحياته، من قبل جميع الأطراف، على حدّ سواء.
من هنا، وبعيداً عن «التفاصيل» الخلافيّة، فإنّ جملة من القضايا يجب أن يتمّ التوافق، في المفاوضات المقبلة، على إجراءات عمليّة لحلّها مباشرةً، بضمانات دوليّة، بوصفها الأرضيّة الوطنيّة الصلبة لأيّ عمليّة سياسية تنهي الأزمة.
لا بدّ، أولاً، من الوقف الفوري للعنف، وإجلاء جميع المقاتلين غير السوريين، دون استثناء، إلى خارج البلاد. ثانياً، وضع حدّ للمعاناة الإنسانية التي يعيشها السوريون، خصوصاً المشرّدين في داخل البلاد وخارجها. أما ثالثاً _ وهنا المعضلة الكبرى _ فليجد المتفاوضون السبيل الأمثل، الكفيل بوضع سوريا على طريق التغيير الديمقراطي الحقيقي، وهو ما يدّعون جميعاً حرصهم عليه! ولا سيبل لذلك بغير الابتعاد عن عقلية الثأر والانتقام، والكفّ عن الاعتقاد بأنّ المطلوب هو إخضاع الطرف الآخر عبر التفاوض، بعد تعذّر إخضاعه بقوّة السلاح.
على هذا، فإنّ مخاطر جمّة تتهدّد «الحل السياسي» الذي يعد به المؤتمر الدولي العتيد، رغم الآمال المعقودة عليه. ذلك أنّ حجم «الاستثمار الخارجي» في الصراع السوري لم يترك لدى الوكلاء المحلّيين ما يكفي من الاستقلاليّة التي تقتضيها متطلّبات السياسة من تنازلات وتفاهمات، خدمةً لحل سلمي، قد لا يرضي «المستثمرين» (يُذكر، بشكل خاص، المال النفطي، الآتي من ضفّتي الخليج، ودوره في تأجيج الصراع وإعطاؤه أبعاداً مذهبيّة).
من جانب آخر، يمكن الجزم بأن ردود فعل متباينة تنتظر ما ستسفر عنه المفاوضات، تبعاً لاختلاف البيئة الاجتماعية والسياسيّة، والقوى الفاعلة فيها، عسكريّاً وماليّاً، وبالتالي سياسيّاً. وسيكون للكيفيّة التي سيتعامل بها الشارع السوري مع «التسوية»، قبولاً أو رفضاً، دور حاسم في نجاحها أو فشلها.
تبقى الإشارة إلى صعوبة التكهّن بمدى قدرة كلٍّ من المعارضة والنظام على الخروج بموقف منسجم، بحكم بنية كلّ منهما، وما تنطوي عليه من تناقضات داخليّة. فانقسام المعارضة وتشرذمها وخلافاتها لا تحتاج إلى من يشرحها. والنظام في سوريا، وإن بدا صلباً ومتماسكاً، غير أنّه يضمّ في تركيبته مجموعات مصالح متعدّدة، وهي جميعاً فاعلة ومؤثّرة في مجريات الأمور على الأرض، وإن بنسب متفاوتة، ما يطرح تساؤلات عن إمكانيّة الخروج بموقف موحّد حيال خيارات مصيريّة، سيجد حكّام دمشق أنفسهم أمامها إن عاجلاً أو آجلاً، ولن يكون اتّخاذ القرار فيها بالأمر السهل.
وأخيراً، ماذا بشأن عشرات الكتائب والألوية التي تحمل أجنداتٍ خاصّة بها، سواء تلك التي تضمّ مجانين «الجهاد»، القادمين من وراء الحدود لتأسيس «دولة إسلامية»، أو التابعة لأمراء حرب محلّيين. هذه المجموعات لا تبرمج تحرّكاتها على إيقاع الحراك السيّاسي والدبلوماسي، وسيسهل على كلّ متضرّر من تسوية سلميّة للأزمة أن «يستثمر» فيها، ليستخدمها وفقاً لمصلحته، بما يعنيه ذلك من استمرار للعنف.
أليس العنف هو الملعب الوحيد للمفلسين سياسيّاً... وأخلاقيّاً؟!
* كاتب سوري