رام الله | كلّف الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، أول من أمس، الأكاديمي رامي الحمدالله تشكيل الحكومة الجديدة، خلفاً لحكومة سلام فياض. الرجل أكاديمي ويفترض أن يشكّل حكومة مصغرة لإكمال مهمة سلفه، على أن تنتهي مفاعيلها في منتصف آب، الموعد المنتظر لتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة أبو مازن. لكن بما أنّ المصالحة تتعثر في خطواتها وعند أقل مناسبة، يتوقع أن تواصل عملها أبعد من آب.


وجاء تكليف الرئيس الفلسطيني للحمدالله، الذي لاقى ترحيبا أميركياً واسرائيلياً وانتقاداً حمساوياً، في الساعات الأخيرة لانتهاء المهلة الدستورية لحكومة فياض. وأعلن الحمدالله أن حكومته ستُنهي عملها في الرابع عشر من آب القادم، في حال إنجاز تشكيل حكومة التوافق برئاسة عباس طبقاً لاتفاق المصالحة. وأكد أن حكومته امتداد لحكومة سلام فياض السابقة، مشدّداً على أنّه لا خلاف معها. وتابع: «سنجري مشاورات لتشكيل الحكومة خلال الأيام القليلة المقبلة وسنعلن ذلك فور الانتهاء من هذه المشاورات».
تعود أصول رامي الحمدالله (54 عاماً) عاماً إلى قرية عنبتا قضاء طولكرم. سيرته الذاتية أكاديمية بحتة؛ فهو حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغويات التطبيقية من بريطانيا. شغل منصب رئيس جامعة النجاح منذ عام 1998 حتى لحظة تكليفه، بالإضافة إلى عضويته في الكثير من الجمعيات واللجان الأكاديمية على المستوى المحلي والعربي والدولي. وبناءً عليه، يمكن القول إن منصب رئيس الوزراء الذي كُلّف به، هو أول عهده في المجال السياسي.
لكن الحمدالله شغل منصب رئيس لجنة الانتخابات المركزية منذ عام 2002 إلى الآن؛ اللجنة نفسها، التي أشرفت على الانتخابات الرئاسية عام 2004، والانتخابات البرلمانية، التي خسرتها «فتح» لمصلحة «حماس» عام 2006. هو شخصية معروفة في دوائر المثقفين الفلسطينيين، ويُعَدّ رجلاً مستقلاً، ليس عضواً في حركة «فتح»، لكنه عضو في منظمة التحرير الفلسطينية. ورغم عدم انتمائه إلى حركة «فتح»، إلا أنه يتمتع بعلاقات جيّدة معها على عكس سلفه، سلام فياض، وهو من المقرّبين للرئيس محمود عباس، ولطالما أولاه الأخير ثقته. والى جانب قربه من عباس، هو أيضاً مقرب من الملياردير الذي يلقّب بـ«عرّاب» فلسطين، منيب المصري، صاحب مبادرة «كسر الجمود» الأخيرة مع رجال أعمال اسرائيليين.
تصفه مصادر اسرائيلية بأنه «براغماتي» بالنسبة إلى المفاوضات السياسية مع اسرائيل، وأقام على مدى السنوات الماضية علاقات عمل مع عدد غير قليل من الاسرائيليين. ويقدّر جهاز الامن الاسرائيلي بأن الخط الذي يتخذه الحمدالله سيكون مشابهاً لخط فياض، ولن يجد صعوبة في نيل الدعم الغربي مثل سلفه.
خبرة الرجل الأكاديمية قد لا تسعفه في القضايا الاقتصادية والسياسية، ولا سيما أن السلطة مقبلة على مرحلة تسوية جديدة، تتضمن خططاً اقتصادية. الغرب دائماً كان يعوّل على شخصية اقتصادية موثوقة لمواصلة دعمه للسلطة، وربّما جاء اختيار الاقتصادي محمد مصطفى نائباً لرئيس الوزراء لسدّ الثغرة. أما زياد أبو عمرو، الرجل الذي فاز بمقعد في الانتخابات التشريعية الأخيرة بدعم من حركة «حماس»، ثم غادر غزة بعد عام 2007، والمعروف بعلاقاته الدولية الواسعة، بحكم أنه شغل منصب وزير الخارجية سابقاً، فضلاً عن الأدوار التي اضطلع بها في التوفيق بين «حماس» والسلطة، رغم قربه من الأخيرة؛ كلّ ذلك قد يرشّحه ليكون ورقة الرئيس لشغل القضايا السياسية، وتأكيد المصالحة.
وفور إعلان تكليف الحمدالله، أعلنت «حماس» على لسان المتحدث باسمها، فوزي برهوم، أن الخطوة «غير شرعية» لأنها لم تنل تصديق المجلس التشريعي، «المعطل منذ الانقسام الفلسطيني منتصف 2007». وقال برهوم: «هذا استنساخ للتجارب» السابقة. وشدد على أن الحل «يكمن بتشكيل حكومة كفاءات وطنية بموجب اعلان الدوحة واتفاق القاهرة».
عدا عن موقف «حماس»، لقي تكليف الحمدالله ترحيباً داخلياً وخارجياً. ووصف أمين مقبول، أمين سر المجلس الثوري لحركة «فتح»، مهمة الحمدالله بالصعبة وتأتي في ظروف معقدة، وبين أن الحكومة قد تستمر بعملها إن لم يتم التوافق مع «حماس» على تشكيل حكومة الوحدة برئاسة عباس، لافتاً إلى أن مهلة مشاورات تشكيل حكومة الوحدة تنتهي فى الخامس عشر من آب المقبل.
بدوره، هنأ وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، رئيس الوزراء الجديد بمنصبه، موجّهاً إليه رسالة، مفادها أن التحديات التي يواجهها في الفترة المقبلة ليست سهلة، رغم أنها فرصة أمامه. ونقلت الإذاعة العبرية عن كيري قوله: «إنه يمكن التوصل إلى حل الدولتين وتحقيق طموحات الفلسطينيين في ما يتعلق بالدولة، من خلال التعاون المشترك مع الولايات المتحدة ». ولم ينسَ الإشادة بدور سلفه سلام فيّاض في بناء الاقتصاد الفلسطيني، ومؤسسات الدولة.
الصحف العبرية، بدورها، أجمعت على أن اختيار الحمدالله خطوة مريحة للغاية، نظراً إلى انتمائه إلى المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها فياض نفسه. صحيفة «هآرتس» وصفت مهمّة الحمدالله الجديدة «بالانتحاريّة»، قائلةً إنه «لا يمكن أحداً أن يحسد الحمدالله على منصبه الجديد، فهو سيتولى حزمة ثقيلة من المشاكل الاقتصادية بالإضافة إلى وجود فرص قليلة لإحياء عملية السلام المتعثرة فى ظل تنامي سياسات».
واعتبرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن اختيار الرئيس عباس لرجل أكاديمي بعيد عن أروقة السياسيين المعروفين، بالإضافة إلى أنه لا ينتمى إلى حركة «فتح»، قد يعزّز من سلطات عباس، مشيرةً إلى أنّ الحمدالله سيكون أكثر «استعداداً ومرونة، لكونه لا يملك خبرة فى العمل السياسي».