انتقلت أجواء إعداد مؤتمر «جنيف 2» من التفاؤل الحذر إلى التشاؤم. موسكو تريد من واشنطن أن تزيد من ضغوطها على المعارضة، فيما يلقي الغرب باللائمة عليها لكونها لا تضغط على الرئيس السوري.

وضعت روسيا إنجاح مؤتمر «جنيف 2» في سلم أولوياتها، وترمي إدارتها السياسية ثقلها في أكثر من محور للوصول إلى ذلك، في حين ربطت لندن تسليح المعاضة السورية بنتائج المؤتمر.
وشدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، خلال اتصال هاتفي، على ضرورة حلحلة الوضع في سوريا، وضمان حياة المدنيين هناك. وأوضح بيان لوزارة الخارجية الروسية أنّ الاتصال تركز على «الوضع العسكري ــ السياسي في سوريا، على خلفية الأحداث في مدينة القصير»، مشيراً إلى أنّه جرى التشديد على «أهمية الإعداد الدقيق للمؤتمر الدولي حول سوريا بهدف إطلاق الحوار الوطني السوري».
بدوره، رأى نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أنّ الولايات المتحدة لا تؤثر بالنحو المطلوب في مجموعات المعارضة السورية، قبل انعقاد مؤتمر «جنيف 2». وأضاف، في حديث إلى وكالة «نوفوستي»، أنّ «ضغط واشنطن على المعارضة ضروري لمصلحة المؤتمر، وكي لا تسمح بمحاولات المعارضة فرض شروط مسبقة».
كذلك تطرق ريابكوف إلى الخلافات الموجودة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن دعوة إيران إلى حضور المؤتمر، موضحاً أن «هذه المسألة عالقة حتى الآن»، ومشدداً على أنه «من دون إيران لا يمكن التوصل إلى نجاح في مثل هذه الفعالية».
وفي سياق الإعداد لمؤتمر «جنيف 2»، أفاد مصدر في وزارة الخارجية الروسية بأن نائبي وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف وميخائيل بوغدانوف سيمثلان موسكو في محادثات جنيف الثلاثية المرتقبة غداً.
وفي موازارة ذلك، أعلن وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ أن بلاده لن تتخذ قراراً بشأن تسليح المعارضة السورية إلا بعد مؤتمر «جنيف 2».
وأضاف هيغ، في مقابلة مع صحيفة «فرانكفورتر تسايتونغ» الألمانية أمس، أن القرار بشأن توريد الأسلحة النوعية إلى سوريا مرتبط بنتائج محادثات جنيف ومواقف الدول الأخرى، موضحاً «أن الأولوية هي للجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وروسيا لدفع الطرفين المتحاربين إلى طاولة المفاوضات»، مؤكداً أنه «لا يشعر بالتفاؤل».
وشدد هيغ على أن بلاده تريد «حلاً سياسياً بأسرع ما يمكن» على الرغم من تشاؤمه من إمكانية أن يتوافر هذا الحل، فالصراع يمكن أن يستمر شهوراً بل سنوات». وذكر أن روسيا وافقت على وجود حاجة إلى حل سياسي، لكن المسألة «هي إلى أي مدى هم مستعدون للتأثير على (الرئيس بشار) الأسد». وأضاف «الموقف يزداد سوءاً بوضوح، ويعرّض استقرار المنطقة للخطر. هذا ما تراه موسكو وواشنطن ولندن وباريس وبرلين».
وفي الإطار عينه، أكد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في بيان، أنّ القرار الأوروبي برفع حظر التسليح عن المعارضة السورية سيؤثر «بشكل مباشر» في أمن العراق واستقراره، ولا سيما بسبب خطر «تسرب» هذه الأسلحة إلى أراضيه.
من جهته، توقع وزير الخارجية الألماني غيدو فسترفيلي أن يُرجأ عقد مؤتمر «جنيف 2» من شهر حزيران إلى شهر تموز.
وأوضح فسترفيلي، في تصريح أدلى به في مقر الأمم المتحدة، أنّ من الأفضل عقد المؤتمر في تموز بدلاً من عدم عقده على الاطلاق.
من جهته، حذر الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، أحمد بن حلي، من أنّ فشل عقد مؤتمر «جنيف 2» سيؤدي بسوريا لتصبح «دولة فاشلة»، مشيراً إلى أنه يتعيّن على إيران أن تكون جزءاً من «التسوية» في سوريا وليس من «العسكرة».
واشترط بن حلي، في تصريحات إلى وكالة «فرانس برس»، أن «يسبق أي صيغة يتم التوصل إليها في جنيف وقف لإطلاق النار حتى يعطي ذلك المناخ المناسب للتفاوض». ورأى أن «وقف إطلاق النار هذا يجب أن يكون بحضور قوات حفظ سلام وبمراقبتها».
وعن الصيغ التي ستطرح أمام المؤتمر المرتقب، كشف بن حلي أنّ «هناك عدداً من الصيغ المطروحة، مثلاً أن يبقى الرئيس بشار الأسد بدون سلطة إلى أن تجري انتخابات، وهناك من اقترح أن تنتهي مهمته عام 2014 على ألا يعيد الترشح». وكشف أن ما تفكر فيه الجامعة العربية «يتمحور حول فترة انتقالية بهيئة أو حكومة أو غير ذلك مما سيتفق عليه السوريون، لها كل الصلاحيات، بما في ذلك الصلاحيات الأمنية».
من جهته، أعاد علي أكبر ولايتي، المرشح الرئاسي ومستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، التأكيد على أنّ «حل الملف السوري يجب أن يكون بين الحكومة والشعب السوريين من دون أي تدخل أجنبي ومن دون اللجوء إلى العنف، وأن يتم عن طريق الحوار السلمي»، مشدداً على «دعم عمليات الإصلاحات في سوريا من دون أن إلحاق أي ضرر بمحور المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي».
من جهة ثانية، كشف السيناتور الأميركي الجمهوري، جون ماكين، عن أسرار محادثاته مع قيادة المجلس العسكري الأعلى للمعارضة السورية المسلحة ومع الإسرائيليين حول ضرورة فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا تتيح إقامة منطقة آمنة لعمل جماعات المعارضة السورية المسلحة في شمال سوريا.
وحذر ماكين، في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأميركية «سي بي أس»، من أن الوضع في سوريا يزداد سوءاً وسيتواصل ذلك، إلا إذا حدث تغيير على الأرض. وقال «من مصلحتنا الاستراتيجية رحيل بشار الأسد... قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جيمس ماتيس قال إن سقوط نظام الرئيس بشار الأسد سيكون أكبر ضربة لإيران على مدى السنوات الـ25 الماضية... إنه سيقطع علاقات الإيرانيين نهائياً بحزب الله».
إلى ذلك، تصدّرت الأزمة السورية جدول محادثات قمة «روسيا_الاتحاد الأوروبي»، التي انطلقت أعمالها أمس في مدينة يكاترينبورغ الروسية بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي ورئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو، اللذين يترأسان الوفد الأوروبي. وشدد مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، على أنّه إذا أصرّ الجانب الأوروبي على مطلب رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، فإن روسيا ستجدد موقفها الذي يتمثل في أنه لا يجوز إسقاط الأسد بجهود من الخارج، وترك البلاد في حالة من الفوضى.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)