القامشلي | هي المعاناة الكردية نفسها. بدأت مع النظام وها هي تتجدد مع المعارضة. محاولة لالحاقهم بـ«الائتلاف» وأخرى لدفعهم إلى طمس مطالبهم الأساسية. لم يعد الأمر يجدي. باتوا مقتنعين، أكثر من أي وقت مضى، أن لا أحد يمثلهم إلا أنفسهم. حتى في «جنيف 2»، يريدون المشاركة بصفتهم الكردية تلك. الوجهة موسكو. وفد من «الهيئة الكردية العليا» في سوريا وصل العاصمة الروسية قبل يومين بناء على دعوة رسمية من وزارة الخارجية الروسية. هناك، سيلتقي الوفد، الذي يضم ممثلين عن جميع الأحزاب والتكتلات الكردية، بمسؤولين في الوزارة اليوم، كما سيجتمع ومسؤولي مؤسسات «صياغة القرار السياسي الروسي»، وذلك لبحث الأوضاع في سوريا، وكذلك موقف الأكراد ورؤيتهم لخارطة الحل قبيل مؤتمر «جنيف 2».

زيارة الوفد الكردي تزامنت مع تأكيد «هيئة التنسيق الوطنية» المعارضة، حرصها على مشاركة الأكراد في «جنيف 2»، مشيرة إلى أنّ ما يهمها أن تكون الحركة الكردية ممثلة في الهيئة. غير أنه يبدو أنّ الأكراد حسموا أمر مشاركتهم في المؤتمر باسم «الهيئة الكردية» كممثل عن الأكراد في سوريا. ويعمل حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (PYD) تحت مظلة هيئة التنسيق. كما أعلنت الهيئة انضمام «الحزب التقدمي الكردي في سوريا» إليها، وأصبح عضواً في مكتبها التنفيذي.
ومع توسيع «الائتلاف» صفوفه ليشمل 114عضواً، اعتبر العضو في الائتلاف و«المجلس الوطني السوري» عبدالباسط سيدا، أن مؤسستهم تنتظر أيضاً «انضمام المجلس الوطني الكردي في عملية سياسية متكاملة». لكن ثمة استياء في أوساط أكراد سوريا، نتيجة تهميش الائتلاف لمطالبهم «الوطنية» ودور أنقرة البارز في الضغط على «الائتلاف» لكبح أي توجه لتبني هذه المطالب. وتتبع المعارضة سياسة الغموض وتأجيل بحث «الحقوق الكردية» إلى «المرحلة المقبلة». وفيما يروّج أعضاء من «الائتلاف» لوجود اتصالات بينهم وبين (PYD)، يقول مسؤولون في الحزب الكردي، إنّه ليس هناك أي اتصال معه، مؤكدين أنهم لن ينضموا إلى هذه المؤسسة كحزب. والانضمام إليها، في حال حدث، سيكون عن طريق الهيئة الكردية.
ويُمثل الأكراد ثاني أكبر مجموعة عرقية في سوريا بعد العرب. وتشير التقديرات إلى أن نسبتهم تتراوح بين 10 – 15 بالمائة من مجموع السكان، البالغ نحو 23 مليون نسمة. وليس من اليسير أن يتفق الجانبان (الأكراد والائتلاف) على النقاط العالقة بينهما، في ظل غياب الثقة وتبادل الاتهامات. وبالعودة إلى الوراء، يُلاحظ أنه مع تشكيل «الحكومة الموقتة» برئاسة غسان هيتو، حاول بعض ساسة الائتلاف، إلقاء الكرة إلى الملعب الكردي، عارِضة على الفريق الأخير الالتحاق بخطهم العام نحو بناء «سوريا المستقبل». وذلك بدعوة الهيئة الكردية، الانضمام إلى مؤسسة المعارضة، والمشاركة في تشكيل «الحكومة الجديدة». تبعتها دعوة مماثلة من جورج صبرا، القائم بأعمال رئيس الائتلاف، لكن شريطة تأجيل بعض مطالب الجانب الكردي.
وقد دعا ساسة «الائتلاف»، الأكراد، في أكثر من مناسبة، إلى تأجيل القرارات المصيرية بشأن مطالبهم وحقوقهم، لحين انتخاب «برلمان جديد» لسوريا، مبرراً ذلك بقوله أنّ «الائتلاف لا يستطيع القفز فوق إرادة السوريين ليقرر في قضايا دستورية الآن». وعليه يقول معارضون بارزون إنّ «أيّ حل للقضية الكردية ينبغي له أن يحصل على رضى الشعب السوري، فالحلّ لا يعتمد على التوافق بين القوى السياسية فحسب». وفي السياق، يتهم معارضون، الأكراد بوجود ضغوط عليهم، تتمثل في وصاية من أربيل وجبال قنديل على الأحزاب الكردية السورية. كما يرى الإخوان المسلمون أنّ «الأكراد غير قادرين على اتخاذ قرار موحد»، بشأن مطالبهم.
وفي المقابل، يعتبر الأكراد أنّ ساسة «الائتلاف»، لم يستشيروا الشعب عند اختياره «أصدقائه»، أو حين قرر تشكيل الحكومة الموقتة، أو عندما يرسم «المرحلة الانتقالية»، وغيرها الكثير من القرارات المصيرية. لكنهم فقط يتحدثون عن «رأي الشعب» كشماعة يُسوفون عبرها «حقوق» الأكراد. ويلفت هؤلاء إلى خطوط حمر، وضعتها تركيا وقطر لمؤسسة المعارضة عليها عدم تجاوزها.
ويرى مراقبون أكراد أنّ من جملة العقبات التي يعانيها أكراد سوريا، إشكالية تتعلق بغياب الثقة، سواء بالنظام أو بالمعارضة. ويذهب بعضهم إلى القول أن في كثير من الأحيان، يبدو للأكراد «أن النظام الذي مارس الإقصاء والتهميش ضدهم أرحم من المعارضة»، التي حاربتهم في مدنهم كما حدث في سري كانيه (رأس العين) وتل تمر وأخيراً عفرين. ذلك دون أن يعير الائتلاف المعارض أي أهمية لما حدث، الأمر الذي ساهم في تصوير أطياف من المعارضة على أنها «مجموعات عروبية وجهادية لا تؤمن بحقوقهم».