دمشق | بينما لا يزال سعر صرف الدولار في سوريا بقبضة تجار السوق السوداء يتقلب ارتفاعاً وانخفاضاً على مدار الساعة، أثار كلام منسوب إلى حاكم المصرف المركزي، أديب ميالة، في أحد الاجتماعات الاقتصادية، ردود فعل غاضبة وساخرة لدى السوريين الذين يواجهون لهيب الأسعار بترقب التصريحات والإجراءات الحكومية الموعودة.


لم يخفِ أبو موفق (65 عاماً) وهو يتسلم راتبه من احدى الصرافات الآلية التابعة للمصرف التجاري السوري غضبه من كلام نسب إلى ميالة بأنه «سيطعم الشعب السوري حشيشاً»، لينضم إلى مئات ردود الفعل الغاضبة التي انطلقت على شبكات التواصل الاجتماعي، عقب نشر فيديو على موقع «اليوتيوب» يتضمن شخصية اقتصادية تزعم على قناة «سما» الفضائية ما قاله ميالة.
أبو موفق، الموظف المتقاعد، رفض منذ بداية الأزمة في البلاد وحتى اليوم، سحب المبالغ المالية التي يدخرها في المصرف لتحويلها إلى الدولار، رغم كل الضغوطات والانخفاضات التي تعرضت لها قيمة الليرة بفعل تلاعب تجار الأزمة كما يقول. سيواصل ثباته على هذا الموقف حتى بعد كلام ميالة لأن «جميع السوريين يجب أن يقفوا مع الوطن والليرة حتى وإن انخفض مؤشر سعر صرفها أيضاً إلى مستوى تصريح الحاكم المركزي للمصرف».
الكلام الذي نسب إلى ميالة أثار موجة من التعليقات كان في معظمها ساخراً وغاضباً، في حين حاول البعض تبرير ونفي الكلام، الذي لا يمكن أن يصدر عن شخصية بهذا المستوى والتوقيت، خاصة أن جميع إجراءاته فشلت حتى اليوم في الحد من السيطرة على تقلبات أسعار الصرف في السوق السوداء، والتي وصل الفارق بينها في بعض الأيام إلى حدود عشر ليرات سورية.
وعلق أحد المحللين الاقتصاديين على هذا الموضوع في إحدى صفحات التواصل الاجتماعي، بالإشارة إلى أن مصدراً موثوقاً جداً كان حاضراً جلسة «الحشيش» نقل له بأن الحاكم أردف في الاجتماع إياه قائلاً: «عفواً لا تفهموني غلط أنا قصدت حشائش (بقدونس، كزبرة، جرجير، هندباء، طرخون، بقلة، رشاد، زعتر بري) وليس حشيش مخدرات أو حشيش برسيم!». بينما دعا أحد المعلقين على الخبر إلى عدم التدقيق في هذه الكلمة، لا سيما أن ميالة رجل اقتصاد وليس رجل سياسة، وبالتأكيد «كلنا بنعرف شو قصده بالحشيش!».
ولا يستغرب سامر الموظف الحكومي اختيار حاكم المصرف للحشيش لإطعامه للمواطنين بدلاً من الخبز، «لأن الحشائش الخضراء لونها وسعرها مرتبط بالدولار»، مشيراً إلى أن «جرزة البقدونس قد يتغير سعرها من الصباح إلى المساء بسبب انخفاض أو ارتفاع سعر صرف الدولار». في حين، يرى هيثم، صاحب احد المحال التجارية، «أنّ الأوضاع في البلاد لا تحتمل اليوم تصديق الشائعات والسير وراءها»، لكنه في الوقت ذاته يجد أنه «من الطبيعي أن يقوم المواطن باستبدال أمواله إلى عملات أخرى، خاصة أن الوعود الحكومية بالتدخل لم تنجح في الحد من انخفاض الليرة حتى الآن».
وبنظرة سريعة إلى آخر الإجراءات الحكومية المتخذة لضبط سعر الصرف، بعد الإعلان عن طرح شريحة قطع أجنبي للبيع بقيمة 100 مليون يورو، فقد أصدر المصرف المركزي توجيهاً للمصارف وشركات الصرافة بتسليم الحوالات الواردة إلى أصحابها بالليرة السورية بدلاً من تسليمها بالعملة التي حولت بها أساساً. الأمر الذي لاقى أيضاً ردوداً متباينة بين السوريين. فبينما سار البعض بتأييده مع ما أعلنته مصادر من المصرف بحسب ما نقلته صحيفة «الوطن» بأن الإجراء يهدف إلى الاستفادة من مبالغ الحوالات الخارجية الواردة بالعملات الأجنبية في توفير موارد إضافية لاستيراد احتياجات البلاد من المواد الأساسية، اعتبر آخرون أن ذلك سيحرم من القيمة الحقيقية للحوالات المرسلة وسعرها المتداول في السوق، مطالبين بإجراءات تستهدف المتلاعبين الحقيقيين بأسعار الصرف الذين يتغافل عنهم المصرف المركزي.
وترمي الآلية الجديدة، بحسب المصادر ذاتها، إلى الحفاظ على القدرة الشرائية لليرة السورية من خلال تحييد جزء من عمليات المضاربة في العملات الأجنبية أمامها، والحد من ظاهرة الدولرة التي باتت منتشرة على نطاق جزئي في المجتمع السوري. الخطوة الجديدة لم تقنع الطالب الجامعي رامي، وهو أحد السوريين الذين يتلقون شهرياً مبلغاً من الخارج، حيث اعتبر أن هذه الخطوة ستؤدي إلى زيادة انتشار تجار السوق السوداء واستمرار تحكمهم في سوق الصرف، مشيراً إلى أن السوريين لن يتعاملوا بالدولار كعملة بديلة عن الليرة، لأن في ذلك جانباً أخلاقياً لم يستطع ولن يستطيع غالبية السوريين تقبله.
وما بين قرارات المصرف المركزي الأخيرة وتصريحات حاكمه، تبقى أخبار بورصة الدولار وتقلبات سعر صرفه في السوق السوداء أمام الليرة السورية حديث الشارع السوري الذي لم تكن تعنيه يوماً هذه العملة الخضراء، قبل أن تحل الأزمة وتشهد البلاد الأحداث الدموية التي أودت بالاقتصاد السوري وسعر صرف الليرة إلى انحدار كبير لا يستطيع أحد توقع متى وكيف ينتهي.