غزّة | ليس غريباً أن تجد في شوارع غزّة أطفالاً يعملون ويتوسلون، لكن الغريب في هذا القطاع المحاصر أن تجد أطفالاً لا يذهبون الى المدرسة. تراهم في الصباح تلاميذ مجتهدون، وعند العصر فقراء معدمون يجولون في الشوارع لبيع اللبان أو البلالين. هؤلاء يعينون أنفسهم بأنفسهم، ويتحدون ظروفهم القاسية، وسط إهمال من قبل الحكومة والمجتمع المدني.

أحمد البنا (10 سنوات) في الصف الرابع ابتدائي. يبدأ يومه مع ساعات الصباح الأولى، بحيث يصحو للذهاب الى مدرسته، من دون حتى أن يتناول إفطاره. يقضي يومه الدراسي باجتهاد، وما أن يدق جرس نهاية الدوام، حتى ينطلق للعمل في شوارع غزة بحثاً عن لقمة العيش له ولأسرته. يحمل علبة الحلوى من بيته ويفر مسرعاً إلى الرمزون في شارع عمر المختار، الذي يعد أكثر الشوارع حيوية في قطاع غزة. ينتظر الإشارة الصفراء ويهرع الى السيارات عارضاً على الراكبين الحلوى مع إمكانية التسول ويحصل من بيع كل كيس حلوى على شيكل واحد، فيجمع ما لديه في آخر يومه الشاق ويشتري علبة أخرى ليبيعها في اليوم التالي ويعطي الباقي لوالده العاطل من العمل بسبب مرضه المزمن. يقول أحمد الذي رافقته «الأخبار» في جولته إنه كثيراً ما يتعرض للإحراج، وخصوصاً عندما يراه أحد من زملائه في المدرسة؛ فهو تلميذ مجتهد ومتفوق في دراسته، لكن اضطراره للعمل وحاجة أسرته للمال دفعاه الى الاستعطاء والتزلف. يقول «أتمنى لو أكون شخصاً جيداً في المستقبل وأن أكون طبيباً أو مهندساً أفتخر بنفسي أمام الجميع».
والد أحمد ليس راضياً عن وضع طفله، يقول إنه كان يتمنى أن يراه بغير هذا الوضع وأن يعيش مثل أقرانه، لكن سوء الوضع الاقتصادي للأسرة ومرضه المزمن دفعا أحمد للخروج الى العمل.
ولا يختلف حال محمد رحمي (13 عاماً) عن وضع أحمد كثيراً؛ فهو في الصف الأول إعدادي، ينتظر انتهاء دوامه المدرسي ليذهب كما هو في لباس المدرسة ويقف أمام أشهر محالّ المثلجات في غزّة، لكي يبيع اللبان، وفي بعض الأحيان يعطيه المارة بعض النقود تعاطفاً معه.
يقول محمد إن والده كثيراً ما يجبره على ترك المدرسة وتعلم «صنعة» كي يعمل ويجني المال، ولذلك ارتأى أن يذهب لبيع اللبان بعد الدوام المدرسي، وإعطاء والده النقود على أن يبقى في مدرسته.
خليل سعد الله (14 عاماً) في الصف الثاني إعدادي له حكاية مختلفة. خليل يقطع مسافة طويلة يومياً بعد أن يرجع من مدرسته الى المنزل الكائن في شمال غزة كي يصل الى ساحة الجندي المجهول (مسافة 12 كيلومتراً تقريباً) حاملاً في يد كيس البوالين، وفي اليد الأخرى آلة النفخ، ليبيع البوالين المنفوخة الى الأطفال الموجودين مع أمهاتهم.
اللافت في أمر خليل أنّه يستمتع باللعب مع الأطفال الذين يشترون منه البوالين، فهم يعيدون إليه ذكرياته مع أمه التي توفيت قبل أربعة أعوام، والتي كانت تحضره إلى الساحة نفسها. يرجع إلى بيته مع غياب الشمس ويعطي زوجة أبيه ما جمعه من نقود.
وزارة الشؤون الاجتماعية في غزة ترمي بمسؤولية وجود هؤلاء الأطفال في الشارع على الوضع الاقتصادي الصعب والحصار. وهي الأسباب نفسها التي تكررها الجمعيات الحقوقية. وتقول المحامية من مركز الميزان لحقوق الإنسان، ميرفت النحال، لـ«الأخبار» إن الحصار الإسرائيلي، أهم الأسباب التي تساعد في انتشار ظاهرة البطالة والفقر ومن ثم عمالة الأطفال.
معاناة أطفال غزة لا تتوقف عند العمالة. هؤلاء معرضون أيضاً للاعتقال والتعذيب، شأنهم في ذلك شأن أي راشد. الطفل خالد (15 عاماً)، يروي حكايته لـ«الأخبار»، ويقول إنه احتجز يومين في مركز للشرطة، تعرض خلالهما للإهانة والضرب، قبل تحويله إلى مؤسسة إصلاح الأحداث.
خالد يقيم مع جدته بعد وفاة والدته قبل أربعة أعوام. اشترك مع ثلاثة آخرين في سرقة عمه، بدافع الانتقام من كل ذي صلة بوالده. ويقول إنه لعب دور المراقب في عملية السرقة التي اختاروا لها توقيتاً عند منتصف الليل، لكنها لم تتكلل بالنجاح، فدهمت الشرطة المكان، وأمسكت بالمهاجمين الثلاثة، بينما تمكن هو من الفرار.
وفي قصة مماثلة، تعرض الطفل إياد للجلد والضرب بالعصي، بعد اتهامه بسرقة عمه بمشاركة آخرين. واتهم المقدم سامي عبد اللطيف، من محافظة الشرطة في غزة، المحقق المسؤول بأنه لم يكن على قدر من المسؤولية والذكاء، بل كان ضعيفاً بلجوئه إلى التعذيب والإهانة بحق طفل، وهو ما يستوجب وجود رقابة على أداء المحققين في جهاز الشرطة. وقال إن ما يتعرض له الأطفال في مراكز الشرطة من ضرب وإهانات يشكل «مخالفة قانونية».
ويقول المحامي في مركز الميزان لحقوق الإنسان، يحيى محارب، لـ«الأخبار»، إن المادة 68 من قانون الطفل الفلسطيني نصت على أنه «لا يجوز إخضاع أي طفل للتعذيب الجسدي والمعنوي أو لأي نمط من أنماط العقوبة»، مطالباً مؤسسات المجتمع المدني بالضغط على السلطة التشريعية من أجل تعديل القوانين التي تنطوي على انتهاك لحقوق الطفل وضمان فرض عقوبات على الأشخاص المنتهكين لحقوق الطفل.
بدوره، يؤكد الاختصاصي الاجتماعي في مؤسسة «الربيع» لإصلاح الأحداث، عثمان رضوان، لـ«الأخبار»، أن ما يتعرض له الطفل من تعذيب وتخويف يعود عليه بمردود سلبي كبير في مستقبله. وأضاف إن الطفل الذي يتم تحويله من الشرطة إلى مؤسسة الإصلاح يطغى عليه سلوك الانطواء والخوف وفقدان الثقة بالنفس.




يوضح الاختصاصي النفسي والتربوي، رداح الشاعر، لـ«الأخبار»، أن العمل لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع حياة الطفل النفسية، وسواء كان اضطرارياً أو لا، فإن له انعكاسات سلبية على شخصية الطفل. ويقول إن عمل الأطفال يفقدهم براءة الطفولة، وينقلهم مباشرة إلى مرحلة الرجولة، فيتعلمون ألفاظ الرجال وخشونتهم، ويتولد لديهم شعور بالنقمة على المجتمع الذي لم يوفر لهم طفولة هادئة.