القاهرة - لم يعد أي متابع للشأن المصري من داخله أو من خارجه يمدّ خيط حديثه على استقامته في أي موضوع كان، سواء تعلق بشؤون سياسية أو اقتصادية أو حتى رياضية أو فنية، إلا وتجده ينتهي ويبدأ عند 30 حزيران، الذي يوافق ذكرى مرور عام على حكم الرئيس محمد مرسي، القادم من أعلى قمة الهرم الإخواني.


هذا اليوم بات بالنسبة إلى المصريين والعالم من حولهم يوماً مرتقباً لاختبار أمور عدّة تتعلق بنظام الحكم القائم وشعبية كل تيار سياسي، ومدى وجود حراك حقيقي داخل المجتمع، ومدى قابلية الشارع للعنف ومواقف القوى الإقليمية والدولية من النظام، والعلاقة الحقيقية بين مؤسسات القوة ممثلة في الجيش والشرطة من جهة، والسلطة والمعارضة بكافة أطيافها من جهة أخرى.
فمنذ إعلان تأسيس حركة «تمرّد» في 22 نيسان الماضي، وإعلانها اعتزامها جمع توقيعات لسحب الثقة من محمد مرسي، والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، وكرة الثلج تزداد في الحجم بفعل عدّة عوامل، من بينها أن «تمرد» كانت نقطة إضافية ونوعية في سلسلة الأفكار، التي بدأت قبل هذا التوقيت من قبل اللجنة التنسيقية للقوى الثورية في الإسكندرية لتفعيل يوم 30 حزيران القادم، بعدما فشلت كل الجهود السلمية وغير السلمية، التي تبناها، سواء الثوار والشباب أو الأحزاب وفلول النظام السابق، في مواجهة الإخوان والرئيس، ولا سيما بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الأخير في 21 تشرين الثاني الماضي. ومن هنا، جاءت ردود الأفعال المتباينة المرحبة والمعادية للحركة، التي أسهم تسليط الضوء الإعلامي عليها وعلى النتائج التي وصلت إليها في جمع التوقيعات، التي تجاوزت حاجز 9 ملايين توقيع، في إظهار ضعف شعبية الإخوان والرئيس مرسي.
الردود المرحبة، التي دفعت في اتجاه دعم الحركة، كانت من قبل كل المعارضين للإخوان من كافة التيارات، بينما جاءت ردود الأفعال المعارضة من قبل الحركات الإسلامية التي راهنت على أن التيارات التي تنادي بانتخابات رئاسية مبكرة أو تنحي الرئيس، ليس لديها شرعية قانونية أو دستورية، مستندة إلى أن الرئيس جاء بانتخابات نزيهة وشرعية. ولم تكتف هذه الحركات بالتنديد، بل هرعت إلى تدشين حركة موازية باسم «تجرد»، لم تجد رواجاً في الشارع إلا في أماكن نفوذ الجماعة الإسلامية في الصعيد وبعض مناطق القاهرة، كذلك فإنها لم تلق الدعم الكافي من جماعة الإخوان.
ومع إعلان اللجنة التنسيقية في الإسكندرية وفروعها في بقية المحافظات خططاً واضحة مع بداية الشهر الجاري لتحركات 30 يونيو، دخلت الأمور في مرحلة «الجد»، وخصوصاً أن اللجنة التنسيقية بلورت رؤية لما بعد مرسي، في إشارة إلى أنّه لا سبيل إلى التراجع، وهو الأمر الذي جاراهم فيه شباب «جبهة الإنقاذ»، وفتح شهية «تمرد» للتلويح بتصعيد الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا والضغط عليها. مرحلة الجدّ هذه دفعت مسار الأحداث صوب 30 حزيران إلى منحى آخر، هو الحرب النفسية. حربٌ انعكست في سلوكيات الشارع واتسمت بالعداء لكل الإسلاميين؛ إذ ربط معارضو الإخوان بين كل ما هو إسلامي وكل ما هو إخواني، الأمر الذي أدى إلى تصعيد مماثل لفظي من قبل القيادي في الجماعة الإسلامية عاصم عبد الماجد، الذي أطلق تصريحات تهديدية للمسيحيين والكنيسة، متهماً الأخيرة بأداء دور سياسي لتحريض المسيحيين بالخروج لإسقاط مرسي، ملمّحاً إلى كونه رئيساً إسلامياً.
في هذا الوقت، قابل شباب جماعة الإخوان تهديدات بعض القوى المعارضة لها بأنه يوم النهاية لحكم الإخوان ومحاكمة قيادتهم والرئيس مرسي، بالتحذير من الاقتراب من مقارّهم وأنّهم سيردّون على هذا بكل قوّة. تصريحات متبادلة غزاها الاستقطاب الإسلامي ـ العلماني، الذي طغى على مصر منذ انتخابات مجلس الشعب في عام 2011، وتصاعدت وتيرته يوماً بعد يوم. هذا التصعيد، وكرة الثلج التي كبرت يوماً بعد يوم، كان لهما انعكاساتهما وصداهما في أبعاد أخرى. في الشارع العادي، بات المواطن المصري يسأل عن كيفية مرور هذا اليوم، وأين ستسيل الدماء: هل أمام قصر الاتحادية أم مقارّ الإخوان؟ أم أن الخوف سيكون سيد الموقف؟ فيما جاء موقف الشرطة محايداً، وموقف الجيش غامضاً، على الرغم من رغبة قوى كثيرة لاستدعائه. أما رئاسة الجمهورية، فقد أكدت حرية الرأي والتعبير، ما التزمت السلمية. ومن ثم بدا الجميع متأرجحاً بين صدام متوقع وسلمية يرفعها الجميع شعاراً، بينما يتعالى الوعيد في كل حين، سواء في اعتصام وزارة الثقافة أو في صفحات الإسلاميين.
في غضون ذلك، صعّدت الأحزاب والحركات الإسلامية في اجتماع حضره رموزها، ما عدا حزب «النور» السلفي، من لهجتها، محذرة من أي إقدام على العنف، كاشفة أنها ستتصدى له «ولن تسمح بسقوط الرئيس مرسي. واقفة ضد ذلك بكل حزم وقوة»، من دون الكشف عن سبل التصدي. وأكدت أن أجهزة الدولة هي المنوط بها التصدي لأي خروج عن القانون، داعيةً كل الأحزاب «إلى تغليب روح المصلحة، وأن يكون الاختلاف من أجل البناء والسلمية».
وفي تصعيدها، قالت الأحزاب إنها رصدت عبر مصادر موثقة تحويل أموال من دول خليجية، لتمويل قنوات وصحف وصفتها بالمشبوهة، مسمية بعضها وبعض مالكيها «كجريدة الوطن ورجل الأعمال محمد الأمين وقناة سي بي سي وغيرها»، كاشفة عن بعض أسماء عدد من رجال الأعمال «كمحمد فريد خميس» متهمة إياه «بتأجير بلطجية وتجهيز أسلحة لإحراق مقارّ الإسلاميين، وخاصة الإخوان». ولفتت إلى أنهم رصدوا سرقة أسلحة «لاستخدامها ضد الإسلاميين والسعي إلى الوقيعة بينهم وبين الشرطة».
وأعلنت الأحزاب الإسلامية أنها بصدد تنظيم وقفة سلمية يوم الجمعة 21 حزيران الجاري، أمام مسجد رابعة العدوية في القاهرة تحت عنوان «لا للعنف نعم للسلمية حماية السلمية»، في مواجهة «من يرغبون في تحويلها إلى ثورة دموية».
أما حزب «النور»، فاستمر في سياسة النأي بنفسه عن مواقف الإسلاميين التصعيدية، مع السعي إلى الوقوف في منطقة وسط بين الأطراف عبر إصداره بياناً يحذر فيه من «أجواء حرب بسبب التعبئة المتبادلة»، مطلقاً مبادرة لإجراء حوار وطني يلتزم فيه الرئيس قراراته وأن يعلن فيه موعد انتخابات مجلس الشعب وضوابطه.