يصدح صوت المنشد في هدوء ليل بلجيكا البارد الموحش: «أمتي قد لاح فجر فارقبي النصر المبين، دولة الإسلام قامت بجهاد المتقين».

يستفز محمد، اللاجئ السوري، رفاقه في غرفة المخيّم بهذا النشيد الذي أطلقه تنظيم «داعش» العام الفائت، إضافة إلى أناشيد أخرى لـ«جبهة النصرة».
استعانت إدارة «كامب» اللاجئين التابع للصليب الأحمر بمتطوع عربي يتقن اللغة الهولندية، لمعرفة فحوى هذه الأناشيد بعد تسريبات وصلت عن نشوء خلايا مشبوهة في «الكامب»، إلا أن المتطوع المغربي أخبرهم أنها أناشيد إسلامية عادية لا توحي بشيء وليس فيها خطورة، ولم يخبرهم أنّ الإسلاميين من متطرفي «النصرة» وتنظيم «داعش» يذبحون الأسرى من عسكريين ومدنيين على أنغام تلك الأناشيد.
لا يخفي محمد، وهو القادم من محافظة إدلب، إيمانه بقيام «الخلافة الإسلامية»: «سأعود للقتال في صفوف جبهة النصرة في إدلب إذا لم آخذ الإقامة في بلجيكا. قتال نظام النصيريين الكفار واجب شرعاً، وهناك آلاف الفتاوى التي تؤكد ذلك، ويجب أن نستجيب لفتاوى المشايخ لأنهم أعلم بمصلحة الأمة».

سأعود للقتال في صفوف جبهة النصرة إذا لم آخذ الإقامة

يحتفي سوريون بالأخبار الواردة عن التدخّل السعودي التركي في سوريا، ويرون فيه فرصة للخلاص من حكم الأقلية للأكثرية، معتبرين أن كل من يقف مع «النظام الكافر» كافر يجب الاقتصاص منه.
يضيف محمد: «السعوديون والأتراك سيحسمون المعركة ويدعسون رأس أكبر مؤيد شبيح، وكل علماني كافر، وقريباً ستنتهي المسألة السورية بحسم عسكري لمصلحة الثوار بقيادة السعودية وتركيا». أما فادي، القادم من دير الزور، فيؤكد أن لا مشكلة لديه في أن يحكمه الكيان الصهيوني، على أن يبقى النظام السوري قائماً.
ويعتبر أنّ «أكثر ما يقهرني وقوف إخوتنا مع هذا النظام الكافر. تصوّروا مفتي الجمهورية أحمد حسون يقف مع المجرمين، يا جماعة النظام نهب البلد ودمره وقتل الأطفال واغتصب النساء».
قبل أن يكمل حديثه يأتيه الرد على الفور من علاء، وهو اللاجئ من مدينة حماه، «بل أنتم من دمرتم وسرقتم وقتلتم، ولم تأتوا بأي مشروع جديد، ليس عندكم غير التطرف والإرهاب والخطف والقتل باسم الثورة الكاذبة المدعومة من الصهاينة والأمريكان». يحاول الشباب إنهاء النقاش قبل أن يتطور إلى ما أبعد من الصراخ. لكن دون جدوى، إذ تحولت المشادة الكلامية إلى اشتباك بالأيدي انقسم فيه حتى اللاجئون العراقيون بين مؤيدين للدولة السورية ومعارضين لها.

«نحنا رجالك بشار»

«جنود الأسد مروا من هنا»، اعتاد السوريون، وكذلك المتابعون لمجريات الحرب، رؤية هذه العبارة في المناطق التي يحررها الجيش، لكنها هذه المرّة مكتوبة في أحد «كامبات» اللجوء في بلجيكا. كتبها «أبو النصر»، وهو لاجئ من مدينة حلب. لا يخفي الرجل تأييده المطلق للدولة السورية وقيادتها، بل يجاهر بموقفه ومعه بعض رفاقه القادمين من حلب بسبب انتهاكات عصابات «النصرة» و«داعش».
يقول، وهو يستمع علناً إلى أغنية «نحنا رجالك بشار»، متحدياً أصحاب الشتائم: «صبرنا عليهم حتى ملّ الصبر، سكتنا في الأيام الأولى صرنا نسمع المسبّات ونعمل حالنا ما عم نسمع، لك يا خاي بيكفي شردونا ووصلنا إلى أوروبا وخسرنا كل شي من تحت راسن، وبالأخير طول النهار يسبونا لأننا مؤيدين، ويسبوا الدولة والجيش، لا والله ما رح نسكت أبداً وبدنا نحكي ونرد لأنن دمروا سورية ولحقونا هون كمان».
لا يتحدث أبو النصر بالخفاء كبقية اللاجئين الذين يؤيدون الدولة السورية، بل يتحدث أمام الجميع، رغم أن هذا قد يؤثر في منحه الإقامة، لأن الحكومات هنا نادراً ما تمنح إقامات اللجوء السياسي للاجئين لا يشتمون الدولة السورية ورموزها.
لم يحتمل الشاب ياسر، القادم من محافظة الرقة، الشتائم التي يسمعها عن الدولة السورية ورموزها وعلمها، فاحتدم النقاش بينه وبين شباب من حيّ الصليبة في مدينة اللاذقية، أحدهم شقيق إمام مسجد «الكامب»، والآخر كان مقاتلاً في صفوف «النصرة» ويحلمان بنشر الإسلام في أوروبا بدءاً من بلجيكا.
تطوّر الشجار بعد أن اشترك فيه شبان عراقيون إلى جانب ياسر، لكنه انفضّ بعد وصول الشرطة التي اعتقلت أحد الشباب لتفرج عنه في اليوم التالي، وتحوّل القضية إلى الشرطة الفيدرالية ومكافحة الإرهاب.
تساعد القوانين الأوروبية على نمو الخلايا المتطرفة ونشوئها، إذ لا يُعتقَل أي شخص إلا إذا أمسكوا به متلبّساً. وهذا ما ساعد كثيرين ممن يحملون الفكر المتطرف على تجميع أنفسهم وتداول الأفكار التي يرون أنّ من شأنها «نشر الإسلام في بلاد الكفار».
يقول عبد الرحمن، وهو لاجئ من ريف دمشق: «اللجوء إلى أوروبا من حق المعارضين فقط، ليس لمن يؤيد القاتل أن يحصل على إقامة هنا، وسنفعل ما بوسعنا لمنعهم من الحصول عليها، الذين يريدون بشار الأسد كان عليهم أن يبقوا عنده ويقاتلوا معه ولا يلحقونا إلى أوروبا».
سأل أحد مدرسي اللغة الهولندية في بلجيكا طلابه اللاجئين عن اسم رئيس الجمهورية العربية السورية، ونشب خلاف بين الطلاب حين أنكر بعضهم وجود رئيس، وأجاب آخرون بأن الرئيس هو الدكتور بشار الأسد، وما كان من المعلم إلا أن أنهى النقاش الذي احتدم بين طبيب خمسيني من القنيطرة وشاب عشريني من حلب، خشية أن يتطور أكثر.
يقول عمار، اللاجئ من مدينة حماه: «إن كانوا ثواراً فلماذا جاؤوا إلى أوروبا، كما هرب من قبلهم قادتهم كيف سيسقط النظام وقد هرب الثوار دون رجعة، لو كانوا أصحاب قضية محقة لبقوا هناك ودافعوا عنها، ولم يهربوا بعد أن ورطوا الناس وأوهموهم بالجنة وكذبة الديمقراطية المزعومة. دمروا البلد وقضوا على مستقبلنا ثم لبسوا زي البراءة وذرفوا دموع التماسيح من أجل الحصول على إقامات في بلاد يسمونها بلاد الكفار».

رهاب حقيقي

ليس الخلاف بين السوريين الفارين من هول الحرب خلافاً مؤقتاً، بل يبدو أعمق بكثير، حيث لا يستطيع سامر الشاب المسيحي القادم من دمشق أن يردّ على المتطرفين الإسلاميين الذين يشاركونه الغرفة، ويرون أن المسيحيين «فوق كفرهم» قد وقفوا إلى جانب النظام.
يقول سامر لـ«الأخبار»: «أنا أعيش برعب حقيقي هنا، ما كنت أفكر بلحظة أن يكون نصيبي بالسكن مع هؤلاء الأشخاص. تصدّق أعمل نفسي نايم وأستمع لحديثهم عن فظاعات ارتكبوها بسورية. يجلسون ويستذكرون حكاياتهم وبطولاتهم بالقتل والتنكيل، وبعدها يقومون للصلاة. بصراحة أنا أول مرة أرى هذا الإسلام».
ويضيف: «لا أستطيع تكوين صداقات مع شباب أتفق معهم فكرياً وسياسياً خشية أن يروني، والقوانين هنا فاشلة جداً ولا تحمي أحد، وحين أسمع خطبة يوم الجمعة أفكر لماذا أتى هؤلاء الأشخاص إلى أوروبا؟ الأمور معقدة كثيراً هنا، وأنا انتظر إقامتي كي أخرج من هذا المأزق».
يبدو أن مأساة السوريين مزمنة، وانقسامهم يزداد يوماً بعد يوم، في الوقت الذي يراهن السياسيون فيه على المصالحة السورية ــ السورية، لكن الواقع يعكس رؤية مختلفة تماماً يفرضها الميدان السوري الذي يزيد الهوّة بين «أخوة الوطن» الواحد في كل انتصار جديد لأحدهما، ويجعلهم أعداء الشتات الذي لجأوا إليه هرباً من أحلامهم المشروعة للعيش بكرامة.