دمشق | في الوقت الذي كانت فيه عيون السوريين تراقب بقلق مؤشر أسعار صرف الدولار أمام الليرة، والمحاولات الحكومية المستميتة لتعديله انخفاضاً، جنح اهتمامهم بحذر نحو مرسوم زيادة الرواتب والأجور للعسكريين والعاملين في الدولة مطلع الشهر المقبل. الحذر جاء من خلال تجاربهم السابقة مع كل الزيادات الماضية التي سرعان ما كان يمتصها التجار برفع الأسعار.

الزيادة «المعنوية»، كما وصفها السوريون، لن تؤثر على واقعهم المعيشي بشيء. لكنها تحسب لمصلحة الحكومة في ظل الحرب التي تشهدها البلاد، «فهل رأيتم دولة تتعرض للحصار وتحارب من قبل غالبية دول العالم اقتصادياً وسياساً وتقوم بزيادة للرواتب». هذا هو الانتصار الفعلي وفق إحدى الصفحات «المؤيدة». فيما كانت مثار «سخرية» الصفحات المعارضة التي ورد في أحد منشوراتها «نطالب بندر وحمد وأردوغان أن يزيدوا رواتبنا أسوة بأتباع النظام الذين زادت رواتبهم بمعدل 25 بالمئة، مع أن الدولار والأساسيات ارتفعت بنسبة 300 بالمئة، لذلك فإن الشبيحة عملياً لم يستفيدوا من الزيادة».
زيادة الرواتب، التي جاءت وفق المرسوم بنسبة 40 بالمئة على العشرة آلاف ليرة الأولى من الراتب و20 بالمئة على الثانية و10 بالمئة على الثالثة، لتحدد نسبة 5 بالمئة لكل ما يزيد على ذلك، ستكون كما ترى وزيرة الاقتصاد السابقة، لمياء عاصي، في تصريح لـ«الأخبار»، عبئاً جديداً «يدخل البلاد في دوامة رفع الأسعار والتضخم» إن لم تكن ناتجة من زيادة حقيقية في إيرادات الدولة. ورأت أنّ هذا الموضوع لا بد من أن يأخذ في الاعتبار توافر الإيرادات الكافية والحقيقية ومعالجة أوضاع غير الموظفين.
وبحسب عاصي، إن زيادة الرواتب، التي رفعت لأصحاب المعاشات التقاعدية بنسبة 25 بالمئة على العشرة آلاف الأولى من الراتب و20 بالمئة على الثانية وحددت 10بالمئة لما فوق ذلك، في هذا التوقيت، تعود أساساً إلى الانخفاض الكبير لقيمة الليرة أمام باقي العملات، وتآكل قوتها الشرائية، مبيّنةً أن ما تشهده الأسواق ليس ارتفاع أسعار، بل انخفاض في سعر الليرة، بدليل أن الذهب الذي ينخفض عالمياً، يرتفع في الأسواق السورية.
ولأن توقف انخفاض قيمة العملة السورية مرتبط بالوضع السياسي والأمني على الأرض، والإجراءات النقدية التي سيتخذها المصرف المركزي، وعودة دورة الإنتاج، كما توضح عاصي، فإن أي إجراء حكومي على ما يبدو لن ينجح في تحقيق أي تحسن ملموس إلا إن شمل جميع الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تشكل عناصر الأزمة في سوريا، ولذلك فشلت الحكومة في تحقيق أي تقدم ملموس على الصعيد الاقتصادي، رغم كل ما قامت به لضبط الأسعار وتثبيت سعر صرف الدولار.
ولحين عودة دورة الإنتاج إلى العمل بوتيرة منتظمة لتغطية الموازنة العامة للدولة فإن زيادة الرواتب، بحسب محلل اقتصادي فضّل عدم الكشف عن اسمه، قد تكون «انتحاراً اقتصادياً»، محذراً، في حديثه مع «الأخبار»، من تأمين الزيادة من طريق التمويل بالعجز، أي الاستدانة من مصرف سوريا المركزي، لما لهذا الإجراء من آثار تضخمية كبيرة وفلتان بالأسعار.
أما إن كانت الزيادة مؤمنة من خلال الفوائض التي تحققت من الوفورات النقدية الناتجة من رفع الدعم النصفي عن بعض المواد، وبالأخص المحروقات فهذا، بحسب المحلل الاقتصادي، يطرح سؤالاً عن «عدالة» إعادة توزيع هذا الوفر، عبر زيادة الرواتب التي لا تصل إلى غير العاملين في الدولة.
وبالعودة إلى انهماك الموظفين في سوريا بحساب الزيادة، كل حسب راتبه، المعلنة في المرسوم، فقد حمل معه هموماً كثيراً من خلال مقارنة نسب ارتفاع الأسعار مع نسبة الزيادة، ليأتي خبر رفع سعر ليتر المازوت من 35 إلى 60 ليرة، ويضعهم أمام واقع محبط أشعل غضبهم وتخوفهم مما هو قادم من لهيب إضافي للأسعار.
القادم بحسب غالبية السوريين هو ارتفاع غير محدود في الأسعار، التي عادة ما تسبق أنباء زيادة الرواتب في الصعود، «فما بالك والحكومة ترفع سعر ليتر المازوت المرتبط بأجور النقل والعديد من المواد مع قدوم شهر رمضان»، وفق أحد الموظفين الحكوميين. فيما لم يتردد أحد أبرز المسؤولين في الإعلام الرسمي السوري من انتقاد القرار في صفحته على شبكة التواصل الاجتماعي، بقوله: «لا شك أنّ الجميع يقدر حجم الأعباء المالية والتهريب، لكن في هذه الظروف في السوق رفع سعر المازوت خطأ اقتصادي واجتماعي فادح».
الخطأ الاقتصادي الذي ارتكبته الحكومة يحتاج في ما يبدو، بحسب المسؤول الإعلامي البارز، إلى «طبخة اقتصادية» عبر زيادة الرواتب والتذرع بتمويلها من خلال رفع أسعار المحروقات، بدلاً من مكافحة التهرب الضريبي والفساد. الأمر الذي يشير، بحسب ديار (موظف حكومي) إلى أنّ الزيادة، ستكون مبرراً جاهزاً لدى التجار «العديمي الضمير» لرفع الأسعار، معتبراً أنه كان من الأجدى على الحكومة التوجه نحو الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار بدلاً من رفع الأجور لمصلحة إسقاط الدعم واستمرار فوضى الأسواق.
وبعكس الآراء التي تجد ضرورة في استمرار الدعم الحكومي لمادة المازوت، المرتبطة بأكثر من 300 مادة سيرتفع سعرها، بالتزامن، وتحديداً في مجال الإنتاج الزراعي، تؤكد الوزيرة عاصي أنها مع رفع الدعم، لأنه يشكل عبئاً على كاهل الموازنة العامة ويشوّه الأسعار بنحو كبير، ويؤدي إلى التهريب، وذلك لمصلحة توجيه الدعم إلى شرائح الأسر الفقيرة والمحتاجة فعلاً عبر بطاقات ذكية، مشيرةً إلى أنها كانت من المعارضين لتخفيض سعر المازوت في حكومة عادل سفر عقب اندلاع الأزمة.
وتبين عاصي، بعد أن ترفض الإفصاح عن رأيها بأداء الفريق الاقتصادي الحالي، أن الواقع الاقتصادي السوري اليوم غاية في الصعوبة، ويواجه عدداً هائلاً من التحديات، في ظل فرص إيجابية قليلة جداً، الأمر الذي سينعكس على حياة المواطنين السوريين لفترة ليست بالقصيرة. لكن ذلك لا يعني أن لا يُعمَل على معالجة المواضيع الاقتصادية بشكل استباقي للحصول على نتائج أفضل، وخصوصاً أن الحكومة من المفروض، بحسب رأيها، أنها تتوقع ما سيحصل في ظل ظروف الأزمة، وتستطيع العمل على حلول وخطط بديلة.
بوابة الخروج من أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار وتوفير المواد الأساسية في الأسواق يكون بحسب الوزيرة السابقة من خلال قيام الحكومة بعقد اتفاقيات تبادل السلع بالعملات الوطنية أو ما يسمى بالـ«Swap Fund»، وهي صناديق موجودة بين الكثير من الدول ومهمتها الأساسية خفض الحاجة للدولار، لافتة إلى أنّ وجود خط ائتماني مع إيران، خطوة جيدة وفي الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية، حيث يجب أن تدعم باتفاقيات مماثلة مع دول صديقة أخرى، وهو ما يجب أن تقوم به الحكومة الآن.
وما ستقوم به الحكومة السورية الآن حسب تأكيد وزير المالية إسماعيل إسماعيل في تصريحاته، بعد صدور المرسوم، هو مراقبة الأسواق وضبط الأسعار وعدم السماح لأي زيادات في الأسعار، ولا سيما أن الواقع الفعلي خلال الأيام الماضية التي تسرب فيها خبر صدور الزيادة والارتفاع الدراماتيكي في أسعار غالبية المواد والخضر والفواكه يؤكد أنها، أي الزيادة، «ستحرق» قبل وصولها إلى جيوب السوريين، فهل يكون لتأكيدات وإجراءات الحكومة، بعد صدور الزيادة، أي أثر على الأرض؟
في سياق آخر، أصدر رئيس مجلس الوزراء، وائل الحلقي، قرارات تقضي بصرف 320 عاملاً من مختلف الوزارات والجهات العامة، وذلك في إطار الإجراءات التي تتخذها الحكومة لمحاربة الفساد المالي والإداري.