■ قرن مضى على «سايكس بيكو»، ولا تزال الخرائط تفعل فعلها، وتشغل باحثين يقرأون التحولات الاجتماعية الاقتصادية لبلدانهم التي بقيت محكومةً باتفاقية قسّمت الهلال الخصيب خمسة كيانات سياسية. أين موقع الأردن في هذه التقسيمات؟

- الكيان الأردني شغَل موقع القلب في ترتيبات سايكس بيكو، وأنيطت به أدوار مفتاحية ضمن مجمل الترتيبات التي وضعتها القوى الدولية المهيمنة عشية الحرب العالمية الأولى، تتصل معظمها بالمشروع الذي عمل البريطانيون على إنجازه، المتمثل بإنشاء الكيان اليهودي في فلسطين.

مقاربتي تقوم على أن الكيان الأردني يؤدي وظيفة ولا يقوم بدور. ولتكريس هذه المعادلة تلاعبت سايكس بيكو بالجغرافيا والديموغرافيا والموارد الاقتصادية وجهاز أو ذراع الدولة الناشئة لكي تتكرس دولة الوظيفة الإقليمية لا دولة الأدوار.
فالأردن كيان تشكل الصحراء معظم جغرافيته، بما يجسد عازلاً بين الكيانات السياسية الكبيرة والضاربة في التاريخ وبين الكيان الصهيوني، وكياناً عازلاً بين الكيانات السياسية الكبرى في المنطقة وبما تمثله من تهديد لأمن الكيان الصهيوني الناشئ. كذلك شكلت الجغرافيا الأردنية فضاءً واسعاً يجري من خلاله تنفيس وتفريغ واحتواء النتائج الديموغرافية لعملية خلق وإنشاء الكيان العبري الجديد في المنطقة، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة مع الاستقبال المتكرر لموجات اللجوء الفلسطيني المتلاحقة.

■ هل يعاني الأردن من أزمة هوية؟
- أفضت خرائط سايكس بيكو، إلى نشوء كيان أردني يعاني أزمة هوية حادة، إذ جمع مكونات اجتماعية وثقافية متباينة وربما متنافرة، فهناك في جنوب الأردن مكونات هي في جذورها ذات امتدادات حجازية ومفرطة في القبلية والعشائرية والبداوة، وفي شماله مكونات حورانية فلاحية مع مكونات فلسطينية ذات جذور مدينية. وفي وسط البلاد قرب العاصمة عمان، هناك وجود عشائري بسيط وسط بحر ديموغرافي ناتج من الهجرات الفلسطينية، وهو ما يفسّر أزمة الهوية الدائمة في الكيان الأردني.

■ وماذا عن السياسات الاقتصادية؟
- هناك فقر في الموارد الاقتصادية للكيان الأردني، كما حدده دهاقنة سايكس بيكو، إذ أدت مصادر المياه دوراً كبيراً في إبقائه ضمن دائرة الفعل الوظيفي الإقليمي. وتبدو مقولة «اعتماد الأردن على المعونات الأجنبية» كأنها قرار مسبق أكثر منها نتيجة لسياسات اقتصادية واجتماعية انتُهجت تاريخياً، لتتكرس المعادلة الآتية: ما دمتَ عاجزاً اقتصادياً، فأنت حتماً بحاجة للمعونات الغربية، وما دمت بحاجة دائماً للمعونات، فعليك أن تؤدي وظائف إقليمية وأحياناً عالمية بما تمثله من تنازلات سياسية يفرضها الغرب عليك.
نلاحظ تفشي الفقر في المناطق الريفية في الأردن، فتركيبة الاقتصاد الأردني تجعله يعتمد على ما يحصل عليه من معونات ومن تسهيلات أمام العمالة الأردنية في دول الخليج والولايات المتحدة، وكذلك تُصنَّع أزمات اقتصادية بصورة متعمدة لإمرار تسويات ومشاريع سياسية إقليمية.
الاقتصاد الأردني ليس مجموع مكوناته من زراعة وصناعة وخدمات، بل هو مجموع الوظائف السياسية التي يقدمها الكيان الأردني إقليمياً أو عالمياً، وبالعودة إلى فترات الازدهار والأزمات في الحالة الاقتصادية منذ الخمسينيات وحتى الآن، يتكشف أن كل ازدهار أو تأزم في الاقتصاد هو مرتبط بإمرار رزمة من الوظائف السياسية إقليمياً أو عالمياً.

■ كيف تصف هذه العلاقة العضوية بين السكان والدولة؟
- عند تأسيس الدولة خُلق جهاز دولة أو ذراع قوي جداً لإنجاز دولة مركزية قوية جداً، بما يمكّن من ضبط الحدود الجديدة التي رسمها سايكس بيكو ولم يعتد الناس بعد عليها، وهو ما خلق علاقة تبعية بين السكان والدولة المركزية من خلال توفير التعليم والوظيفة والأمن والقضاء وبصورة متضخمة في معظم الأحيان، وذلك بعد أن عاش الناس في هذه المنطقة لقرون طويلة بعيداً عن سلطة الدولة، حيث كانوا ينتجون اقتصادهم وأمنهم وقضاءهم بصورة ذاتية من دون أي وجود للدولة وجهازها.

■ كيف تقوّم تطور الوظائف التي يقوم بها الكيان الأردني منذ تأسيسه؟
- الوظائف الأولى لهذا الكيان تمثلت في امتصاص تبعات ونتائج سياسات تهويد فلسطين، ثم تطوير جهاز دولة أو ذراع دولة يكون من القوة بحيث يمكنه ضبط التركيبة القبلية الداخلية بما لا يشكل تهديداً للكيان الإسرائيلي الذي ولد هشاً ولا يزال، وهي مهمة تطلبت وجود جيش كبير وكبير جداً لا يتناسب البتة مع قدرات الاقتصاد الأردني، وفي الوقت نفسه لا يعكس المتطلبات الأمنية والعسكرية للدولة والمجتمع الأردنيين.
وفي وقت لاحق تطورت هذه الوظائف.
هنا أشير إلى دور الأردن في ضبط الأمن في المشيخات الخليجية، حيث تتنوع الخبرات الأردنية هناك ما بين خدمات عسكرية كما هي الحال مع السعودية أو عُمان خلال السبعينيات، وأمنية في البحرين والسعودية حالياً، ويضاف إليه دوره في العراق أو السلطة الفلسطينية أو الحكم الليبي الجديد أو حتى في افغانستان ما بعد طالبان، حيث يدرّب الأردن الجيوش الجديدة التي يقوم الأميركيون بتركيبها في هذه الدول.
وتتجاوز الخدمات والوظائف النطاق الإقليمي، إذ يخدم جنود أردنيون في معظم المناطق التي قرر النظام العالمي ورعاته الأميركيون إرسال قوات حفظ سلام اليها، مثل هاييتي والبوسنة وتيمور الشرقية وساحل العاج ودارفور.

■ كيف تنظر الى خرائط سايكس بيكو في ظل التحولات التي تعصف بالمنطقة؟
- إن خرائط سايكس بيكو القديمة في مرحلة مخاض جديد، ففيما كانت هذه الخرائط نتاجاً لهيمنة بريطانيا وفرنسا على خريطة توزيع القوى العالمية، فإن ثمة تحولات كبيرة تجري على صعيد خريطة توزيع علاقات القوة في المنطقة.
وللبرهنة على ذلك تكفي الإشارة إلى أنه غداة الحرب العالمية الثانية كان حجم الاقتصاد الأميركي يصل إلى نصف حجم الاقتصاد العالمي، وعند إضافة إمكانات القوى الاقتصادية الغربية الحليفة مثل بريطانيا وفرنسا ومجمل دول غرب أوروبا نجد أننا أمام ما يزيد على 70 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي.
وبسبب التحولات الجذرية في ميزان القوى العالمي، فإن الاقتصاد الأميركي لم يعد يمثل أكثر من 17 في المئة من الاقتصاد العالمي، في حين أن الاقتصاد الصيني وحده ربما يكون قد تجاوزه وفق ما يقول بعض الخبراء الأميركيين.
بناءً عليه، فإن خريطة القوى العالمية تغيرت كما أن الخريطة الاقليمية شهدت تحولات كبيرة بظهور النموذجين الإيراني والتركي كقوى إقليمية وتشكلان في الوقت نفسه امتداداً لتحالفات عالمية متناقضة أو متصارعة.

■ وما هو وضع الأردن في ظل هذه التحولات؟
- رعاة سايكس بيكو يحاولون الإفادة من مرحلة المخاض هذه للضغط على الأردن لتقديم حزمة جديدة من التنازلات السياسية الاستراتيجية المتعلقة تحديداً بالوضع الفلسطيني، وهناك ارتباط بين هذه القضية ومحاولات جر الأردن لدور في الأزمة السورية. فمن وجهة نظر الغرب وإسرائيل ودول الخليج، لن يكون بإمكان الأردن أن يقوم بوظيفته في حل القضية الفلسطينية من دون إسقاط النظام في سوريا أو إضعافه بحيث يصبح من دون أي مخالب إقليمية لطالما تمتع بها.




أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة اليرموك الأردنية عبد الحكيم الحسبان، لديه بحث «العلاقات البدائية مقارنة بالمواطنة: خصوصية المدينة الأردنية»، و«الفقر في الأردن كنظام ممارسات استطرادية»، وبحث بعنوان «خصوصية الحراك الاجتماعي الأنثروبولوجي في التطور المدني لمدينة عمان المعاصرة» إضافة إلى «خطاب التنمية غير المتوازنة التاريخي في
الأردن».