القاهرة ــ الأخبار

انتهى الكابوس بإجماع شعبي سياسي عسكري مصري، لم يخرقه إلا محمد مرسي وجماعته «الإخوان» وأنصارها. الناس تحتفل في الشوارع، بسقوط حكم المرشد وبقواتها المسلحة التي أدت الدور الأساس في الوصول إلى هذه الغاية. والرئيس المعزول في غرفة معتمة غير معروفة، يلقي خطاباً يجري تصويره بصورة بدائية وتسريبه إلى قناة «الجزيرة» التي تنفرد في بثه. إقفال قنوات دينية تابعة للجماعة واعتقال 35 من القيّمين عليها، وملاحقة نحو 300 من قيادات «الإخوان» الذين اختفوا عن المشهد الذي شهد اشتباكات بين أنصار الطرفين سقط خلالها قتلى وجرحى. وأعلن عن اعتقال مرشد الجماعة محمد بديع وتوقيف نائب المرشد العام رشاد البيومي ورئيس حزب الحرية والعدالة سعد الكتاتني فيما تحدثت أنباء عن أنه تم التحفظ على مرسي ومساعده عصام حداد. العسكر والأمن يحاصرون تظاهرات «الإخوان»، الذين انفضت عنهم التيارات السلفية، يتقدمها حزب النور والجماعة الإسلامية. ملك السعودية يستفيق من سباته ليهنئ الرئيس الجديد، قبل أن يتولى مهماته ويثني على الثورات المسلحة المصرية، والرئيس السوري بشار الأسد يرى في ما حصل نهاية لحكم الإسلاميين في العالم العربي.
تطورات ظهرت معه مجموعة من التساؤلات عن ارتداد هذا السقوط على تونس وليبيا، وسوريا وتركيا، في ظل إشارات لافتة ترجمها ملك السعودية الذي كان أول المهنئين، والجيش المصري بإقفال مقر «الجزيرة مباشر» في القاهرة.
اللحظة المفصلية كانت بلا شك لحظة ظهور وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، متأخراً نحو خمس ساعات عن موعد انتهاء مهلة الـ48 ساعة، محاطاً بقادة من الجيش وشيخ الأزهر أحمد الطيب والبطريرك تواضروس وممثل المعارضة محمد البرادعي، متبنياً «الخريطة» الآتية: تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، وتسليم مقاليد الحكم لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وانتخابات رئاسية مبكرة، وحكومة كفاءات وطنية قوية، ولجنة لمراجعة التعديلات الدستورية.
وقال بيان القوات المسلحة إنها «استشعرت، انطلاقاً من رؤيتها الثاقبة، أن الشعب الذي يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته». وأضاف أنه «في إطار متابعة الأزمة الحالية، اجتمعت القيادة العامة للقوات المسلحة برئيس الجمهورية في قصر القبة، حيث عرضت رأي القيادة العامة ورفضها للإساءة لمؤسسات الدولة الوطنية والدينية، كما أكدت رفضها لترويع وتهديد جموع الشعب المصري». وانتقدت الخطاب الرئاسي الذي «جاء بما لا يلبي ويتوافق مع مطالب جموع الشعب، الأمر الذي استوجب من القوات المسلحة استناداً إلى مسؤوليتها الوطنية والتاريخية التشاور مع بعض رموز القوى الوطنية والسياسية والشباب ودون استبعاد أو إقصاء لأحد، حيث اتفق المجتمعون على خريطة مستقبل». ودعا «الشعب المصري العظيم بكافة أطيافه الالتزام بالتظاهر السلمي وتجنب العنف»، محذرة من أنها «ستتصدى بالتعاون مع رجال وزارة الداخلية بكل قوة وحسم ضد أي خروج عن السلمية طبقاً للقانون، وذلك من منطلق مسؤوليتها الوطنية والتاريخية» (النص الكامل على موقع الأخبار).
الردّ الأول من الرئاسة، جاء من صفحتها على «فيسبوك»، حيث رأت أنّ «الإجراءات التي أعلنتها القيادة العامة للقوات المسلحة تمثّل انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان، وهي مرفوضة جملة وتفصيلاً من كل أحرار الوطن». وطالب مرسي بصفته رئيساً للجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة «جميع المواطنين مدنيين وعسكريين قادة وجنوداً الالتزام بالدستور والقانون وعدم الاستجابة لهذا الانقلاب».
لكن سرعان ما بثت قناة «الجزيرة» شريطاً لمرسي سجل في مكتب خاص به، مجهول المكان، بدا وكأنه جلسة تدريبية لخطاب ربما كان سيظهر فيه الرئيس المخلوع في وقت ما أمس، أكد فيه أنه «منذ أن انتخب الشعب له في انتخابات نزيهة وحرة وهو يبذل كل جهده لكي تمتلك مصر إرادة ويكون لها دور فعال في تقدم بلادها، وأنه حال دون تحقيق ذلك قصر مدة الحكم والتحديات الكثيرة التي واجهتها مصر في هذه الفترة. إن كل قطرة دماء مصرية عزيزة عليه ولن يسمح بأن تراق». وأوضح أنه خلال الأيام الماضية كان على اتصال بالقوى السياسية والقوات المسلحة للوصول إلى اتفاق وحلّ للوضع الراهن. وأضاف «مرسي» أن الدستور الحالي يعتبر إنجازاً كبيراً لثورة يناير، وأنه يحرص على احترام الشرعية والدستور القائم ودولة القانون، وأشار إلى أن هناك محاولات مستميتة لسرقة الثورة، وأنه لن يسمح بذلك، وأنه لا بد أن نحافظ على الدستور الذي استفتى عليه ووافق عليه 64 في المئة من الشعب الذي دعاه إلى رفض بيان العسكر ولكن بصورة سلمية.
وكان مرسي قد اقترح، قبل خمس دقائق من انتهاء المهلة العسكرية، تشكيل حكومة ائتلافية توافقية. وقال، في بيان نشره على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، إن الرئاسة تجدد «دعوتها لإجراء مصالحة وطنية شاملة وتشكيل حكومة ائتلافية توافقية تدير الانتخابات البرلمانية القادمة وتشكيل لجنة مستقلة للتعديلات الدستورية لتقديمها الى البرلمان القادم».
وسارع حزب «النور» السلفي إلى إعلان تأييده لخريطة الطريق التي أعلنها المجلس العسكري «لتجنب الصراع»، فيما بارك كل من شيخ الأزهر وتواضروس الإعلان.
وجاء البيان العسكري ثمرة اجتماع استغرق ساعات بين قائد الجيش مع ممثل المعارضة محمد البرادعي وشيخ الأزهر وبابا الكنيسة القبطية، الذين دعاهم لهذا اللقاء مع ممثلين عن أحزاب إسلامية ضمنها جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي. لكن أحد المتحدثين باسم الإخوان، جهاد الحداد، قال على حسابه على «تويتر»، إن حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية للجماعة، رفض دعوة الجيش لحضور الاجتماع. أما التأخير في تلاوة البيان، فكان بغرض تعزيز الإجراءات الأمنية، تحسباً لأي ردّ فعل محتمل بعده، حيث انتشرت قوات المنطقة المركزية العسكرية بالقاهرة على مستوى ميادين القاهرة والمحافظات التابعة لها، لتأمين المتظاهرين ضد أي أعمال عدائية. ووضعت أسلاك شائكة وحواجز حول دار الحرس الجمهوري، التي يعمل منها مرسي، وخاصة بعد إعلان تيار «السلفية الجهادية» النفير العام للخروج في الشوارع، وأفتى بـ«جواز قتال المعارضة والجيش والشرطة»، وذلك بعد فتوى مشايخه السابقة، التي أشاروا فيها إلى «عدم جواز الخروج للدفاع عن الرئيس محمد مرسي ضد تظاهرات المعارضة».
وكان لافتاً أن ملك السعودية عبد الله كان أول المهنئين لعدلي منصور بتولي منصب الرئاسة، حتى قبل أدائه اليمين. وقال: «نشد على أيدي رجال القوات المسلحة كافة ممثلة في شخص الفريق عبد الفتاح السيسي، الذين أخرجوا مصر في هذه المرحلة من نفق الله يعلم أبعاده وتداعياته».
أما الرئيس السوري بشار الاسد، فرأى أن ما يجري في مصر يجسد «سقوط ما يسمى الإسلام السياسي». وقال، لصحيفة «الثورة» الحكومية، ان «ما يحصل في مصر هو سقوط لما يسمى الإسلام السياسي. فمن يأتي بالدين ليستخدمه في السياسة أو لمصلحة فئة دون اخرى... سيسقط في أي مكان في العالم».
الرئيس الأميركي باراك أوباما أعرب عن «قلقه العميق» مما يجري في مصر، ودعا القوات المسلحة المصرية إلى اعادة السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة ديموقراطياً في أسرع وقت ممكن، معلناً أنه أصدر تعليماته للأجهزة الأميركية والجهات المعنية لمراجعة آثار خطوة الجيش المصري على المعونة العسكرية الأميركية.
وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، في بيان: «في الوضع المتدهور جداً والتوتر الشديد في مصر، أعلن أخيراً تنظيم انتخابات جديدة بعد فترة انتقالية. أخذت فرنسا علماً بذلك».