القامشلي | ليس جديداً القول إن استمرار الاعتداءات والممارسات القمعية التي يرتكبها المتحاربون في سوريا بحق الصحافيين والناشطين، يعتبر انتهاكاً صريحاً للحريات. لكن اللافت اليوم هو اتباع «الثائر» نهج «المستبد». تتصاعد وتيرة أعمال العنف من جانب المعارضة المسلحة تجاه الصحافيين، ما يؤثر في آلية انتاج المادة الإعلامية، التي غالباً، ما يترافق إعدادها وحكايات مأساوية في بلد يوصف اليوم، بأخطر رقعة جغرافية على حياة الصحافي.

يشرح صحافيون زاروا سوريا أخيراً، أنّ على من يزور أيّ مدينة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أن يستعين بمرشد محلي (فيكسر)، يكون بمثابة مُيسّر وحام (وهو غالباً مرتبط بطرف داخلي معين). وما إن يدخل الصحافي منطقة المعارضة، عليه كشف هوية الوسيلة الإعلامية التي يعمل لصالحها. وهنا يأتي التعاون وفقاً لمدى تقارب سياسة الوسيلة ونهج القوة العسكرية صاحبة النفوذ. وفي حال نُشرت أو بُثّت مشاهدات صحافية خلافاً لإرادة الطرف المسلح، فإنّ عودة الصحافي إلى المنطقة ذاتها، قد يكون نوعاً من المغامرة.
غير أنّ هناك وسائل اعلام فاعلة وصانعة للحدث، تعمل على ترتيب زيارات مراسليها مع الأطراف المسلحة. أما بالنسبة لعمل الصحافيين والناشطين المحليين، فإن الأمر يبدو أكثر خطورةً وتعقيداً. وتُعد مهمة نقل الواقع بموضوعية من أبرز الصعوبات التي تواجه العامل في المناطق الواقعة تحت سيطرة الفصائل المسلحة. إذ ثمة «خطوط حُمر» على الصحافي أو الناشط التقيد بها. وتجاوز هذه الحدود يؤدي، في الغالب، إلى تعرض حياة المراسل للخطر. في حين تفيد الوقائع بأن درجة الجزاء تتوقف على مستوى أهمية ما نُقِل.
وتشير مصادر مطلعة إلى أنّ الكثير من مراسلي الداخل، وغالبيتهم «مواطنون صحافيون»، يُجبرون على اتباع «الانتقائية المُفرطة» في عرض الأحداث ونشرها. ويجسّدون دور «الناقل السلبي» بين مصدر الخبر الذي تتحكم به إرادات داخلية ممثلة في الطرف المسلح، وقنوات اتصال تُدير الخط ذاته، ليبقى الصحافي أمام خيارين، إما الاستمرار في أداء هذا الدور أو الخروج من اللعبة نهائياً.
ويوضح أحد الصحافيين، الذين يعملون من الداخل، أنّه «إن نَشر خبر قد يضر بمصالح القوة المسلحة المحلية، أو يكشف حقيقة معينة، يعني العقاب الذي قد يطال الصحافي أو حتى أسرته... والأمثلة لا تحصى».
ويفيد الصحافي محمد كناص بأن الكثير من الصحافيين يعملون في حقل «المواد الإنسانية حتى لا يخوض في دوامة المساءلة من قبل فصائل مسلحة لها سلوك لا يختلف عن سلوك كتائب النظام». ويضيف كناص لـ«الأخبار» أنّ «العنف الذي تمارسه الفصائل المسلحة»، جعلت الصحافي كثيراً ما يُعرض عن تناول موضوعات معينة، ذلك «خوفاً من ردة الفعل، مكتفياً في كثير من الأحيان الإشارة إليها من بعيد، وهذا لا يذكرنا إلا بسلوك الصحافيين أيام النظام».
ويتحدث كناص، الذي كان يعمل في ريف ادلب، عن «ممارسات فصائل مسلحة ترفع شعار الإسلام اسماً، لم يجرؤ أي من صحافيي الداخل تغطيتها، إنما يتم تسليط الضوء عليها عبر الإعلام الخارجي». ويضيف «شخصياً، أعرف عدداً من الصحافيين، تجرأوا على الكتابة في موضوعات قريبة مما أتحدث عنه، لكنهم الآن يخافون العودة إلى سوريا». ولا يخفي أحد الصحافيين من مدينة الرقة، وجود «صعوبة وخطورة» في إلقاء الضوء على موضوع «السرقات أو الفساد أو بيع ممتلكات الدولة للانتفاع الشخصي». ويضيف الصحافي الرقاوي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنّ «السلاح المنتشر في كل مكان، واحتمال التعرض للخطف أو للتصفية الجسدية هو أكبر هاجس» في المحافظة التي تسيطر عليها كتائب إسلامية متشددة.
في المحصلة، يكشف الواقع السوري غياب الملاك الاعلامي المؤهل، والقادر على عكس الواقع بمهنية. وبرأي رئيس تحرير موقع «أورينت نت» المعارض، ياسر الأطرش، هناك «فوضى إعلامية عارمة، وآخر ما يمكن أن تفكر به هو المهنية»، ويلفت إلى أنه يعرف «حلاقاً أصبح مراسلاً لمجلة يابانية»، مشدداً على أنّ «ندرة الكادر المؤهل أساساً في سوريا، فرض هذه المعادلة».