غزة | لعبت غزة دور المتفرّج من بعيد على الأحداث المتسارعة التي تشهدها الساحة المصرية؛ فليس بإمكانها أن ترتدي الآن ثوب الحداد الأسود لرحيل جماعة إسلامية انبثق عنها حكامها، أو أن ترفع علامة النصر لمستقبل قد يحمل بجعبته أفضل الثمار لها، فتشدّ حينها على أيدي الجيش المصري الذي أزاح محمد مرسي عن الحكم. هي الأيام إذاً الكفيلة بمنح غزة مصيراً أبيض أو أسود، ولربما رمادياً؛ وفي ظل هذا الارتباك، ونتيجة الحاجة الماسة لدعم السلطان في مصر أياً يكن، يمتنع حاكم غزة عن التصريح علناً بموقفه المنحاز أصلاً لجماعة الإخوان المسلمين، والرافض لـ«الانقلاب» على «الشرعية»، خشيةً من تربّص الرئيس المصري القادم به، وتصيد وسائل الإعلام المعارضة للإخوان لذلك الموقف.

تخوفات كثيرة تطرق باب «حماس» في غزة، من إفراز مكونات ومخلفات نظام حسني مبارك من جديد، والعودة إلى مسلسل الحصار الأقصى والأشد فتكاً بالغزيين. صحيحٌ أن نظام «الإخوان» لم يُسقط اتفاقيتي «كامب ديفيد» والغاز مع إسرائيل، ولم يغلق مكتب سفارتها، ولم يحفر للحصار قبراً أو ينجح في إلغائه من قاموس الغزيين، غير أنّ حدّته خفت طوال السنة الماضية عبر إعادة فتح معبر رفح، الذي سُدت أبوابه بوجه الفلسطينيين طيلة حكم الرئيس المخلوع مبارك.

ويرى المراقبون أن «حماس» التي انبرت للدفاع عن حكم «الإخوان»، الذي عمد الى إغراق الأنفاق الواصلة بين قطاع غزة ومصر بمياه الصرف الصحي أو إغلاقها بشكل تام، لا يمكن إلا أن تتأثر بشكل عميق بإسقاطه؛ فحرية التنقل في مصر التي منحها الإخوان لها في العام الماضي «عليها السلام».
الأنباء المسرّبة من القاهرة حول نية الجهات الأمنية المصرية اعتقال أي قيادي حمساوي فور دخوله الأراضي المصرية، وتعزيز تواجد الجيش المصري وتكثيف عناصره على الحدود الفاصلة بين قطاع غزة ومصر، وإغلاق الأنفاق بشكل كامل مع عمل شبه مشلول في معبر رفح؛ كلها مؤشرات لا تُطمئن «حماس». وتخشى بعض الشخصيات المقرّبة من الحركة من أن أي إعلان عن حرب جديدة على قطاع غزة قد ينطلق من مصر هذه المرّة، كما فعلت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، حين لوّحت بحرب «الرصاص المصهور» عام 2008، من قصر مبارك الرئاسي. ولا يغيب عن بال كثيرين أن الحرب الثانية التي خاضت غمارها غزة العام الماضي كانت ذات نكهة مختلفة عن الحرب الأولى؛ فـ«حماس» لم تشعر حينها بأنها تقاتل العدو الإسرائيلي بمفردها، فقد مدّها الإخوان المسلمون في مصر بالدعم المادي والمعنوي، حتى أن رئيس وزرائهم هشام قنديل أصرّ على دخول غزة على وقع أصوات الحرب. كل هذه الأمور تأخذها «حماس» بعين الحسبان، لتزداد درجة قلقها من عزل القائد العام للقوات المسلحة المصرية عبدالفتاح السيسي لمرسي، خاصةً في ظل حملة اعتقالات واسعة تطال القيادات الإخوانية، وقطعٍ للبث عن القنوات الإسلامية المؤيدة لـ«الإخوان» و«حماس» معاً، مما يعني عند «حماس» تعالي نبرة الإعلام المصري المعترض عليها أصلاً، للمناداة بإسقاطها هي الأخرى.
في المقابل، رأى الخصوم السياسيين لـ«حماس» في سقوط الإخوان انتصاراً حقيقياً للإرادة الشعبية؛ فعُدّ ذاك الانتصار بارقة أمل نحو سقوط كل حركات الإسلام السياسي، وعهداً جديداً للديموقراطية التي فرضها ميدان التحرير على الجميع بدلاً من تحكّم جماعة إسلامية واحدة بمصير أبناء مصر على اختلاف عقائدهم وانتماءاتهم السياسية. ويقول القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رباح مهنا لـ«الأخبار»: «نحن في الجبهة الشعبية نؤيد خيار الغالبية الساحقة من الشعب المصري التي ارتأت أن تغير نظام حكم الإخوان المسلمين»، مؤكداً أن الشباب الذي أسقط نظام مبارك لا يمكن أن يقبل بعودته مجدداً.
وعبّر مهنا عن تفاؤله بإسقاط نظام الإخوان، لإيمانه بأنه فور استعادة مصر عافيتها واستقرارها الأمني، ستتفرغ لمتابعة الملفات الخارجية، خاصةً ملف حصار غزة لطويه بشكل نهائي، وفتح صفحة من الدعم الكامل للقضية الفلسطينية. وطالب القوى السياسية بعدم التدخل في الشأن المصري الداخلي، وأن تكون على مسافة واحدة بين الجهات السياسية المصرية، معرباً عن أمله أن يكسر الحاكم القادم الحصار المفروض على قطاع غزة، وأن يعمق أواصر العلاقات الفلسطينية المصرية أكثر فأكثر.
بدوره، استبعد المحلل السياسي وسام عفيفة، رجوع العلاقة بين مصر وقطاع غزة إلى ما كانت عليه في زمن مبارك، قائلاً لـ«الأخبار»: «القوى السياسية المصرية المعارضة للإخوان ليست معنية بإنتاج صورة الحصار ومشاهد المرضى غير القادرين على السفر خارج قطاع غزة من جديد، بل بإعادة رسم مشهد غزة من ناحية إيجابية». ورجّح إمكانية ضغط الحاكم المصري الجديد على «حماس» لتقديم بعض التنازلات في ما يتعلق بملفي التهدئة والمصالحة، اللذين تتولاهما المخابرات المصرية، مستبعداً التصعيد الحاد ضدها. ونفى حدوث أي تغيير جذري في سياسة الإخوان تجاه حصار غزة أثناء فترة حكمهم، إلا على الصعيد المعنوي، داعياً الجميع إلى الانتظار والتريث في إبداء مواقفهم مما جرى في مصر، نظراً لعدم مرور ايام على الحدث الهام والدراماتيكي بإزاحة الإخوان عن سدة الحكم. وقال: «علينا أن ننتظر تهيئة الاستقرار الداخلي المصري، كي تتمكن مصر بعد ذلك من التفرغ للشؤون الخارجية».
في الوقت نفسه، رأى عفيفة أن فزاعة «حماس» لا تزال تلاحق بعض المصريين المشككين بها، والذين يعدونها الصورة المماثلة للجماعة التي نجحوا في إسقاط حكمها، فيتعاملون معها من منظور أمني بحت، كون المرحلة الحالية مرحلة أمنية بكل تعقيداتها. وأكد عفيفة أن «حماس» ليست معنية بإبراز دعمها للإخوان في هذا الوقت العصيب، أو الانحياز لطرف دون آخر، قائلاً: «حماس سوف تتعاطى مع الأمر الواقع، كما تعاطت مع نظام مبارك بكل سلبياته، فهي لم تعد فصيلاً مقاوماً فحسب، بل جهة حاكمة تربطها لغة المصالح مع أي نظام مصري قادم».