القاهرة | في اللحظة التي هدرت فيها الجماهير المصرية تهتف للجيش المصري، بدأت القوات الخاصة التابعة للجيش باعتقال قيادات الإخوان، وكان أولهم الرئيس السابق محمد مرسي الذي تم التحفّظ عليه في دار الحرس الجمهوري في القاهرة، حيث يواجه مرسي تهماً بالتجسس والخيانة العظمى.

لكن كيف كانت الليلة الأخيرة في حياة جماعة الإخوان المسلمين؟ تفاصيل كثيرة، تتخللها ضغوط دولية وإقليمية على الدولة المصرية، وجيشها الذي استطاع، على ما ظهر، التعامل ببراعة مع أخطر لحظة تاريخية مرّت بها مصر.
مصادر مصرية رفيعة المستوى كشفت لـ«الأخبار» عن العديد من التفصيلات المتعلقة بما تقول إنها «اتصالات أجرتها مؤسسة الرئاسة المصرية في عهد مرسي مع جهات ودول أجنبية قبل أيام من تحرّك الجيش الثلاثاء الماضي»، مشيرة إلى أن مؤسسة الرئاسة أدارت اتصالات خارجية عبر مستشار الرئيس للشؤون الخارجية، عصام الحداد، الذي «كان لا يمرر اتصالاته الهاتفية على أي من الشبكات الهاتفية المصرية، وأنه طوال الوقت كان يستخدم الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية بواسطة هاتف الثريا».
وذكرت المصادر أنه «قبل التحرك الذي قام به الجيش، وقبل إصدار بيانه الرسمي الأول بنحو يومين، أجرى الحداد اتصالات عاجلة مع جهات أميركية، وبريطانية، وأخرى أوروبية». وقالت المصادر إن «هناك شكوكاً كبيرة حول ارتباط عصام الحداد مع جهاز الاستخبارات البريطانية، MI 6، خصوصاً أنه طوال إقامته في بريطانيا كان يدير جمعية الإغاثة الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين، ويضع تحت تصرفه أموالاً طائلة تعود للتنظيم الدولي للإخوان، كما أنه حاصل على الجنسية البريطانية منذ أمد بعيد. وهناك شبهات حول تورطه في عمليات غسل أموال».
وأشارت المصادر إلى أن «هذه الشبهات محل تحقيق من الأجهزة المختصة في مصر» وأن «الحدّاد أجرى اتصالات مهمة، وخطيرة مع نافذين في الإدارة الأميركية، وأن الجيش المصري، والأجهزة الأمنية المصرية رصدت هذه الاتصالات بكاملها رغم إتمامها عبر هواتف متصلة بالأقمار الاصطناعية. وذكر الحداد خلال هذه الاتصالات أن الجيش المصري يُعدّ لانقلاب عسكري على السلطة».
اللافت أيضاً أنه، ووفقا لمصادر «الأخبار»، فإن «الحدّاد طلب تدخلاً دولياً في مصر لمنع الانقلاب على الشرعية»، بل وما يؤكد ذلك ما نشره الحداد على حسابه الرسمي في الموقع الاجتماعي «فايسبوك»، إذ طالب بـ«تدخل دولي لدعم الشرعية في مصر».
تؤكد المصادر أن «هذه الاتصالات كلها تمت بالتنسيق، والاتفاق، مع الرئيس مرسي، وكذلك مكتب إرشاد الإخوان، الذي عقد سلسلة متتالية من الاجتماعات في «فيلا» في منطقة التجمع الخامس، جنوب شرق القاهرة، ولم تنعقد الاجتماعات الخاصة بالتواصل مع الولايات المتحدة في المقر الرئيس لمكتب الإرشاد في حي المقطم»، جنوب القاهرة.
ولم يكتف الحدّاد بذلك، بل «بدأ يروّج خلال اتصالاته مع مسؤولين أميركيين، حول إمكانية أن يتعامل مرسي مع العدد الكبير من المتظاهرين الرافضين لحكم الإخوان، وروج بأن عدد المتظاهرين لا يتجاوز من (130 – 160) ألف متظاهر. التقدير نفسه أطلقه الرئيس المخلوع خلال مكالمته الأخيرة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما».
وفي السياق، تدارست قيادات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وضع قيادة التنظيم، الذي يتبع مكتب إرشاد الجماعة في مصر، رغم أن مقره في بلجيكا. واقترح مكتب إرشاد جماعة الإخوان في سوريا أن تتحول قيادة التنظيم العالمي إلى دمشق، وذلك حال سقوط الجماعة، وتنظيمها الخاص في مصر. اقتراح استقر على التعامل معه من قبل قيادات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولكن بعد ترقب التطورات في سوريا، وعلى أن تتحول القيادة العالمية للإخوان إلى مقر بلجيكا إلى حين اتضاح الصورة في دمشق.
وتشير المصادر إلى أن استغاثات الإخوان بالولايات المتحدة، وقوى دولية أخرى، تزامنت مع تحوّلات جذرية ستؤثر على القوة الإقليمية لجماعة الأخوان، وأبرزها انهيار حليفهم القوي أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، والمدعوم أميركياً. وذلك بعد تولي نجله تميم سدة الحكم بانقلاب ناعم على والده، وكذلك توتر الأوضاع في تركيا، إذ أصبح نظام الحكم التركي الحالي يواجه مصاعب جمة أثّرت سلباً على آلية التواصل بين انقرة، وبين جماعة الإخوان.
ويوم أمس كشف وزير الخارجية المستقيل محمد كامل عمرو، لوسائل الإعلام المصرية، أن «جميع اتصالات مساعد الرئيس المعزول عصام الحداد، كانت تتم بعيداً عن وزارة الخارجية». واتصلت «الأخبار»، بمصدر دبلوماسي رفيع، قال «إن استقالة كامل تمت بعد اتصالات من دول غربية بالوزير... الذي فوجئ بما ذكره بعض الوزراء الغربيين حول اتصالات الحداد، وهو ما دفع به إلى الاستقالة من منصبه».
وما لم ترصده شاشات الفضائيات، في الليلة الأخيرة للجماعة في حكم مصر، ذلك الاجتماع السري، الذي عقد في نفس «الفيلا»، لقيادات مكتب الإرشاد برئاسة النائب الأول للمرشد رجل الأعمال خيرت الشاطر، والذي قرر خلاله أعضاء مكتب الإرشاد بدء التحرك لمواجهة إطاحة نظام حكمهم وكتبوا وصاياهم.
الا أن القوات المسلحة رصدت هذه المعلومات، وباشرت على الفور تحريك القوات الخاصة المؤلفة من عدة فرق قتالية عالية الكفاءة. وفي غضون ساعتين سيطرت على مبنى التلفزيون، وقامت بإحباط كمائن وهمية لعناصر الإخوان في مدينة الانتاج، كان الغرض منها اختطاف بعض مقدمي البرامج والمذيعين.
كما أحبطت عمليات تفجير في مناطق متعددة منها محطة مترو الأنفاق أسفل ميدان التحرير، ومحطة مصر الرئيسة للقطارات في ميدان رمسيس وسط القاهرة، لينتهي حكم الإخوان بليلة حالكة السواد لمكتب الإرشاد، وليلة احتفالات أسطورية لشعب مصر.