جرمانا | يأتي الصيف وإلى جانبه شهر رمضان، وما زالت الأزمة السورية تجهل مصير شعبها. تكاد تتحوّل المدن إلى مخيمات للشتات. الكل مهدّد، والشوارع برسم التوتر في أية لحظة. لا يمكن العبور إلى ركام البيوت دون إذن، ومن المستحيل أن يبحث الأهالي عمّا بقي من منازلهم في الأرياف المحترقة أو في الأحياء «المسلحة». هنا، في مقدمة الريف الدمشقي تتربع مدينة جرمانا التي احتضنت، وما زالت، آلاف المهجرين من كل أنحاء سوريا. فكان جزاؤها سلسلة تفجيرات دامية. رغم ذلك، بقيت المنطقة على حالها. بعض الحذر والحواجز في المحيط، وعدد هائل من النازحين ينتظرون العودة بعد عام على التهجير.


عند المدخل الرئيسي لمدينة جرمانا قرب جسر «الكبّاس»، قبل الحاجز الأمني، تقع مدرسة «القدَيريّة» التابعة لمنظمة الأونروا. اسم المدرسة ينسب إلى قرية فلسطينية تقع في صفد. على الباب الرئيسي يستقبلك حرّاس المدرسة التي تحولت مع الأيام إلى ملجأ ضخم يؤوي مئات العائلات. يشير أحدهم إلى الباحة الكبيرة التي افترشها المهجرون بالخيام المقسومة من داخلها إلى نصفين: «كل خيمة هنا تحتوي على عائلتين، تقريباً من خمسة إلى سبعة أشخاص، المكان مخصص للفلسطينيين المهجرين من مخيم اليرموك وخان الشيح ومخيم فلسطين، وبعض العائلات السورية من مناطق عدّة»، يروي عناصر الحرس لـ«الأخبار». على بعد أمتار، يركض أطفال نحو الشارع العام فتمنعهم أمّهم من الخروج، صارخة بهم: «لا تطلعوش لبرا، المسلحين هلق بيوكلوكم». مشهد باحة المدرسة المزدحم بالخيم وحبال الغسيل المطلة من خلف القضبان الحديدية، يبدو وكأنه معسكر تدريب لــ«طلائع البعث»، لكن «الكارثة» هنا أن هؤلاء ما زالوا يبتسمون: «الفصائل الفلسطينية بالمخيم وخان الشيح وعدتنا بأنها رح تحسم الموضوع، ومن سنة لهلق! هَينا قاعدين هون من شتات لشتات، ولسى الأكل بالقطارة على رمضان بكرا»، يقول الحاج أبو العبد، الخمسيني الذي لا يجرؤ على مغادرة المكان دون إذن شخصي من عناصر الحراسة، وذلك قانون يسري على الجميع دون استثناء.
البحث عن مهجرين بعد قطع الحاجز في مدينة مزدحمة كجرمانا يبدو مغامرة خطرة، وخصوصاً إذا كنت تبحث عن هؤلاء «الذين حضنوا الإرهابيين وسمحوا لهم بأن يأكلوا معهم بحجة حمايتهم»، كما يعلق سائق «التاكسي» غاضباً بعد أن أوصلنا إلى الملعب البلدي في المدينة. هناك حيث تظهر الحكايات المريرة لأناس يعيشون على إيقاع الرعب وبالقرب من ساحة معركة مطلة على منطقة بيت سحم، نشاهد المفارقات بالجملة. طفل يجلب بعض «البسكويت» له ولأخوته يخجل أن يقول إنه من منطقة داريا البلد، وقد خرج مع أمه وأختيه ووالده منذ رمضان 2012، واحتضنهم الهلال الأحمر السوري ووفّر لهم مسكناً في الملعب. في وقت يدرب فيه أحد الرياضين أطفال جرمانا على العشب الأخضر، ضمن باحة الملعب، تنظف إحدى الأمهات مدخل الملعب وكأنها تعتني بمنزلها الجالس فوق ركام الأمل. لا يرغب أحد بالحديث عن مسقط رأسه، لكن رجلاً بساق ضريرة، لفت بشيء من الهمس: «صوّرنا قد ما بدك يا ابني، نحن أهل سوريا، صرنا طبخ دسم للعالم، مع أننا عايشين هون بوحدة وطنية فيها كل الطوائف ومن كل المحافظات من حمص من ريف حماه من درعا... صوّر وحدتنا الوطنية، ونحن عاجزون عن الحياة». تبيّن في ما بعد أن الرجل من منطقة دوما، وكان يمتلك أكثر من متجر لبيع الأثاث المنزلي وتصديره، لكن خسائره الضخمة من الحرب القائمة في الغوطة الشرقية أصابته بشلل نصفي! محيط المكان محصّن بحواجز للجيش السوري، والرعاية الطبية للهلال الأحمر السوري، والتبرعات الخيرية تأتي من مصادر مختلفة رسمية وأهلية، لكن التكتم على ذلك هو أكثر ما يثير الغرابة.
على مدرج الملعب جلست أمّ وأبناؤها لتشاهد كيف يتدرب الأطفال على كرة القدم. إيمان يوسف تخاف من أن تطرد لو تكلمت على سوء المعيشة، «في البداية جئنا من منطقة القدم، أذلتنا السلطات حتى أوصلتنا إلى الجمعيات الخيرية والمتبرعين، قضينا أشهراً بين النوم في حديقة تشرين وعلى أسطح بعض البنايات، قبل أن نصل إلى الملعب. كل غرفة ينام فيها عشرة أشخاص، ومنتفعات الملعب هي منتفعاتنا المنزلية»، تروي وتراقب الأطفال، بينما العيون الحائرة حولنا من حرّاس ومهجرين تراقب بحذر.

«تبخّر» مهجّرين

تبخر جزء كبير من المهجرين في جرمانا. قيل إن بعض العائلات نزحت من القصير، لكننا لم نجد لهم أثراً، بينما جيرانهم في حمص نزحوا منذ أشهر نحو أطراف جرمانا ليعيش بعضهم في غرفة واحدة مقابل ستة آلاف ليرة سورية. تؤكد أمّ حيان وابنها أنها جاءت من منطقة «الست زينب» منذ فترة، بعد أن نزحت من حيّ الميدان في حمص. «هناك نعيش في منطقة بساتين الروضة، وهي أبنية جديدة، الشقة فيها غرفة. أعيش مع ابني، وزوجي يعمل سائق تاكسي»، تضيف. وترى أن أهالي جرمانا أفضل من «الجيش الحر» في حمص الذي «كان يفرض علينا أوامره، ومن لا ينفذ يجب أن يجد مكان آخر يعيش فيه».
وضع أم حيان أفضل بكثير من المهجرين في الملاعب والمدارس، ولكن المشهد الأسوأ يبدو حيث وجَدت بيوت «العضم» من يرضى بها مسكناً وملجأً، مع نوافذها الشفافة المغلقة بـ«النايلون». في منطقة كرم صمادي والكورنيش الشمالي في جرمانا تكثر هذه الظاهرة، حيث تحتضن أسراً مهجرة من عين ترما والحجر الأسود والعسالي. بيوت يصل إيجارها إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية، «بيوت على العضم أحسن من النومة بالشارع. بعنا كل أغراضنا للمسلحين قبل أن نخرج في بداية المعارك بأبخس الأثمان. وها نحن اليوم نعمل في تنظيف البيوت حتى لا نمد يدنا للتسول»، تروي أمّ يوسف المحتضنة أطفالها الثلاثة. جاءت من دير الزور في الصيف الماضي إلى السكن العشوائي في منطقة عقربا، ثم خرجت مع زوجها وأولادها إلى إحدى ضواحي جرمانا. يعمل زوجها في نقل البضائع (عتّالاً) ولديها أقارب كثر جاؤوا إلى المنطقة، ويعيشون في الظروف ذاتها... داخل بيوت مكشوفة بلا أبواب أو كهرباء أو ماء.
في حيّ الحمصي الشهير ضمن مدينة جرمانا، يتجمع أيضاً عدد من المهجرين في مهن مختلفة، فأبو عبدو الحلبي، مثلاً، دمّر المسلحون معمله للدهان في حيّ الشعار في حلب لأنه لم يدفع لهم (دعماً للثورة)، فهرب مع أقربائه إلى جرمانا، وفتح دكان والده القديم لبيع التبغ والتنباك. «ما بدي أعرف غريمي، إجاني التهديد على التليفون أنو أطلع، ما طلعت حرقوا لي معمل الدهان، فقررت أنفد بجلدي أنا وولادي. هون بجرمانا وضعي أحسن من غيري من النازحين، سألتني المنظمات الاغاثية إذا بدي أسكن بملجأ، قلت لهم عندي قدرة أستأجر. وهي الشغل ماشي الحمد لله على كل الأحوال... نصيبنا هيك»، يتحدث الرجل بمرح وكأنه لم يخسر ثروة ضخمة و(شقى) العمر صار في «خدمة الأحرار»، كما يعلق ساخراً. ها هو اليوم يجلس ويبتسم بخوف، كما آلاف النازحين هنا، ينتظر فقط.
الطرقات سهلة لمغادرة المناطق الساخنة، كما قيل، المهم أن يخلي المدنيون الساحة لأطراف الصراع. ورغم ما يحدث في مناطق المليحة وجوبر والغوطة الشرقية وبعض الأرياف حول جرمانا، تجد المدينة لا تنتمي إلى أحد، ولا ترغب في دخول الصراع. هي للجميع، وها هم النازحون أيضاً يقدمون أوراق اعتمادهم في سنة أولى انتظار، لعلهم يجدون طريقاً إلى بيوتهم وحياتهم المحطمة.