القاهرة | هل ترسي مصر أسساً جديدة للخارطة الدولية؟ «نعم. حدث هذا بأقصى ما يمكن أن يتوقعه أعتى المحللين السياسيين. ستبدأ خارطة الشرق الأوسط الكبير التي صمّمتها الولايات المتحدة بالتداعي سريعاً، وستتحول أميركا إلى دولة من الدرجة الثانية». كعبارة لدبلوماسي مصري رفيع المستوى جاءت في سياق ردوده على استئناف العلاقات القنصلية بين مصر وسوريا أمس، وبعد أربعة أيام فقط من عزل الرئيس المصري محمد مرسي.

وفي منتصف حزيران الماضي اتخذ الرئيس المعزول محمد مرسي قراراً بقطع العلاقات مع سوريا، يقول الدبلوماسي المصري لـ«الأخبار». إن «إعلان الرئيس المعزول قطع العلاقات مع سوريا على هذا النحو فاجأ وزارة الخارجية المصرية، وخرج عن كل الأعراف الدولية، ووضع مصر في حرج شديد، وتجاوز المستقر في الاستراتيجية المصرية، التي ينص أحد مبادئها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة».
وفي هذه الأثناء، اجتمع وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي مع عدد من مساعديه، واستقر الرأي على أن يؤكد الجيش ثبات الاستراتيجية المصرية، وتم تكليف الناطق الرسمي لوزارة الدفاع المصرية بردّ مقتضب، لكنه كان يحمل الكثير. حينها تناقلت وكالات الأنباء على لسان مصدر مسؤول في وزارة الدفاع المصرية ما نصه: «إنّ الجيش لن يُستخدم في أيّ حرب خارجية ضدّ دولة شقيقه، وأكد المصدر أنّ قدرات وإمكانات الجيش المصري هي لحماية مصر وأمنها القوميّ فقط».
وحسبما يقول الدبلوماسي المصري، فإن هذا التصريح «أثلج صدر القيادة السياسية السورية، وفتح الباب لمجال آخر في العلاقات الثنائية، ووجه الجيش رسالة إلى الرئيس المصري المعزول محمد مرسي أكد فيها ضرورة وقف اللهجة التي قد تورط مصر مع أزمة إقليمية كبيرة، خاصة ما يتعلق بالدعوات إلى تسفير الشباب المصري، والجهاد في سوريا ضد نظام بشار الأسد».
أما سوريا فقد طلبت رسمياً حينها من الخارجية المصرية الإبقاء على القنصلية السورية، وذلك لرعاية شؤون السوريين في مصر، والذين يقدر عددهم بما لا يقل عن 160 ألف لاجئ سوري. وساند موقف الجيش المصري حينئذ المعارضة، واستقبل المصريون قرار الرئيس المعزول بدهشة شديدة.
وبحسب المصدر لـ«الأخبار»، فقد أبدت دوائر وزارة الخارجية المصرية، المعنية بالعلاقات المصرية ـــ السورية، تحفظها في تقرير رُفع إلى مستشار الرئيس للشؤون الخارجية عصام الحداد، وهو في حقيقة الأمر كان قد رفع الملف السوري من اختصاص الخارجية المصرية وتحول إلى مؤسسة الرئاسة، وأصبح الحداد مسؤولاً عنه مباشرة.
ويؤكد المصدر الدبلوماسي المصري أن «خطوات عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، التي قطعها الرئيس المعزول بقرار لم تكن تعلمه دوائر الاستراتيجية المصرية أو وزارة الخارجية، وكان فقط محصوراً بين الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين، هذه الخطوات لاستعادة العلاقات الكاملة بدأت بالاستجابة للمطلب السوري إعادة فتح القنصلية السورية في القاهرة، والاتفاق على خطوات على مدى شهر تقريباً لاستعادة العلاقات الكاملة بين البلدين، وسيكون منها عودة القائم بالأعمال المصري إلى سوريا، وإعادة فتح السفارة السورية في القاهرة». لكن الأهم، كما يقول الدبلوماسي المصري، هو «بدء التباحث بين الجانبين المصري والسوري في ضرورة الخروج من المأزق الحالي الواقع فيه نظام بشار الأسد، لأنه سيرتّب أوضاعاً إقليمية شديدة التعقيد على خارطة الولايات المتحدة للشرق الأوسط». بل إن أحد الأهداف الرئيسة لمصر 30 حزيران، بحسب المصدر نفسه، هو «استعادة دور مصر الإقليمي بقوة، وهو ما ستشهده الساحة الإقليمية والعربية قبل انتهاء شهر آب المقبل، حيث بدت الخارجية المصرية كخلية نحل، وتستعد لاستقبال الوزير الجديد، والمرجح أن يكون نبيل فهمي، سفير مصر السابق في واشنطن، والمستشار السياسي الأسبق لعمرو موسى إبان وجوده وزيراً لخارجية مصر، وهو كان مسؤولاً عن العديد من الملفات الاستراتيجية في السياسة المصرية، ومن بينها ملفا إسرائيل والمفاوضات الفلسطينية ـــ الإسرائيلية، وملف العلاقات الاستراتيجية المصرية _ الأميركية».
لكن المفاجأة لن تكون فقط في عودة النظام السوري إلى علاقاته الرسمية مع مصر، بل ستكون أيضاً في استعادة نظام بشار الأسد لمقعد سوريا في جامعة الدول العربية، خصوصاً بعد التغيير الذي شهدته قطر، وهي الدولة التي دعمت طرد سوريا الرسمية من الجامعة العربية، وما تمر به تركيا من اضطرابات تؤثر بشدة على دورها الإقليمي، أو تدخلها في الشأن السوري، على ما يفيد المصدر نفسه.
أوراق اللعبة تتحول إلى القطبين مجدداً، وبحسب المصدر المصري، فقد أصبحت تسوية الأوضاع في سوريا مرهونة بإعلان روسي _ أميركي قد يصدر قريباً، ويطرح خارطة طريق جديدة لسوريا، سوف تقوم على تغيير النظام السياسي، لكن ليس عبر جهاد المعارضة والاقتتال الداخلي، بل عبر تفاهمات يقبلها النظام السوري الحالي، ويدعمها الرئيس السوري بشار الأسد، وملامحها تتمثل في الطرح القديم: حكومة انتقالية، وصلاحيات كبيرة لرئيس وزراء توافقي، وتعديلات دستورية أساسية، ثم انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة في سوريا.
وبحسب الدبلوماسي المصري، فإن «الدوائر السياسية الأميركية تشهد توتراً بالغاً، وانقسامات عميقة حتى في صفوف الديمقراطيين، وهو ما سيكون له تأثيره على السياسات الأميركية في إقليم الشرق الأوسط، والمفاجأة أن مصر امتلكت الكثير من أوراق اللعب، ما يجعلها تتفوق على حليفتها لنحو أربعين سنة منذ عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، ومن أبرز هذه الأوراق مجلس التعاون الخليجي الذي رأى أن وصول الإخوان إلى نظام الحكم في مصر يهدد الأمن القومي للخليج كله، ومن ثم فإن مصر ستحظى بمساندة ودعم خليجيين، ولو على حساب العلاقات الخليجية الأميركية، وهو ما قد يحول أميركا العظمى إلى دولة ثانية في السياسات الدولية الجديدة ما بعد حزيران 2013».