القاهرة ــــ الأخبار

استفاقت القاهرة أمس على مجزرة على أبواب دار الحرس الجمهوري. 51 قتيلاً، بينهم ضابط، وأكثر من 435 جريحاً، سقطوا برصاص حي وقنابل غازية وخرطوش. قالت وسائل الإعلام إن الإصابات كانت مباشرة في الرأس والرقبة والصدر. مناصرو الإخوان أرادوا تنفيذ تهديدهم باقتحام القصر الجمهوري، حيث يظنون أن رئيسهم المعزول محمد مرسي محتجز. عملية كان واضحاً أنها جاءت عن سابق تصور وتصميم، بحسب ما تؤكّد المعلومات، وبينها روايات لشهود عيان لـ«الأخبار». هاجموا قوات الجيش والشرطة مدجّجين بالحجارة والعصي والمولوتوف والأسلحة النارية. قتلوا ضابطاً وجرحوا العشرات، بينهم 8 في حالة حرجة. ردّت القوات الحكومية بالتحذير، قبل أن «تردّ الهجوم»، حسب روايتها.
خرج الجيش ومعه الشرطة ليشرحا «للعالم والشعب المصري العظيم ما جرى». حاول متحدثان باسمهما أن يشرحا مدى الالتزام بحماية أمن المصريين وممتلكاتهم، وجهودهما بهذا الإطار. تحدث الضابط العسكري عن «أفعال الإخوان»، ونيتهم المبيتة والاعتداء، وعن الحملة الممنهجة التي شنتها الجماعة لتشويه صورة الجيش، وعن الشائعات، وعن الأسلحة التي ضبطت والمخطات التي أُجهضت، وعن قتلهم للجنود في سيناء، وعن قومية أبناء المؤسسة العسكرية ووطنيتهم، وفداهم لمصر وأبنائها. عرض دلائل قال إنها تبيّن اعتداءات مناصري الإخوان بالصوت والصورة. لم يقل من قتل 51 إخوانياً، وبأي رصاص سقطوا. لم يُسأل حتى عن ذلك. وكأن القتل قد بات مباحاً. بات مشروعاً. بات قانونياً. وكأن الدماء التي سقطت لا تعني المعنيين. وكأنهم لا يدركون أن الدم لا يجلب إلا الدم، ووحدها مصر وشعبها من سيدفعان الثمن، اقتتالاً أهلياً، أو بالحد الأدنى هجمات وتفجيرات تعيد إلى الأذهان السنوات الدامية في تسعينيات القرن الماضي، هذا ان لم تستعد النموذج السوري.
المؤتمر الصحافي العسكري بدأ ببلبلة في القاعة، تبين لاحقاً أنها انتهت بطرد ممثل قناة «الجزيرة». الأنكى أن تلك الخطوة جاءت بطلب من صحافيين وإعلاميين. قال المتحدث العسكري العقيد أحمد علي إن الجيش أصدر أكثر من تحذير بعدم الاقتراب من الوحدات العسكرية، وإن مجموعة مسلحة هاجمت الأفراد القائمين على تأمين دار الحرس الجمهوري باستخدام أسلحة وذخائر حية، وفي الوقت نفسه، اعتلى أفراد آخرون أسطح المنازل في شارع الطيران المطل على دار حرس الجمهوري وقاموا باستهداف أفراد الجيش والشرطة، ما أدى الى استشهاد ضابط وإصابة 42، منهم 8 حالتهم حرجة.
شاهد عيان (يعمل صحافياً) روى لـ«الأخبار» ما حصل. يقول إنه «كان يقوم بتغطية اعتصام ميدان النهضة، في محيط جامعة القاهرة، مساء الأحد، وعند حوالى الساعة الثامنة مساء، تلقوا اتصالات من قادة اعتصام رابعة العدوية المؤيدين للرئيس المعزول، والتعليمات كانت بضرورة التوجه إلى ميدان رابعة للمساندة». وبعد وصول مجموعات متعددة من اعتصام النهضة إلى اعتصام رابعة العدوية، يضيف الشاهد، «فوجئت بوجود أنواع مختلفة من الأسلحة، ما بين الكلاشينكوف، وبنادق الخرطوش، وأسلحة بيضاء، وقنابل محلية الصنع». ويتابع «في تمام الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة، بدأ تقسيم الحضور إلى مجموعات، وتحدث قادة من الإخوان، بينهم صفوت حجازي عن ضرورة مهاجمة دار الحرس الجمهوري. بدأ توزيع أسلحة مختلفة للمدرّبين من هذه المجموعات، ثم توجهوا إلى شارع الطيران، الواصل بين الدار واعتصام رابعة، وتوقفوا في منتصفه لتنظيم صفوفهم».
وفي تمام الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة فجراً، تم توجيه المجموعات إلى دار الحرس الجمهوري. وبمجرد وصولهم، بدأوا بإطلاق النيران في الهواء بكثافة، وخرج لهم أحد قادة الحرس، ووجه لهم تحذيراً، لكنهم لم يستجيبوا. في هذه الأثناء، بدأ الحرس الجمهوري، بمعاونة قوات من الشرطة، باتخاذ الاستعدادات اللازمة لمواجهة هجوم محتمل.
في الرابعة صباحاً، بدأت المجموعات بالهجوم على دار الحرس الجمهوري، وهو ما أدى إلى رد قاس من جانب قوات الحرس التي فوجئت بتشكيلات شبه قتالية تهاجم الدار والقوات، واستخدمت الميليشيات زجاجات المولوتوف الحارقة ضدّ القوات.
وفي السياق، أكد عضو النادي العام لضباط الشرطة المصريين، الرائد فهمي بهجت، لـ«الأخبار»، أن «قادة الشرطة لديهم شكوك قوية في وجود تدخلات خارجية تدفع الى اقتتال أهلي في مصر». وعلمت «الأخبار» أن القوات المسلحة المصرية بدأت تنفيذ بعض الخطط العاجلة، وذلك لمحاصرة التطورات المحتملة من جانب عناصر جماعة الإخوان، والتي بدأت بالتصدع نتيجة انشقاقات متعددة.
وسارع «حزب العدالة والحرية» إلى دعوة «الشعب المصري العظيم الى الانتفاضة ضد من يريدون سرقة ثورتهم بالدبابات والمجنزرات ولو على جثث الشعب». كما دعا «المجتمع الدولي والمنظمات والهيئات الدولية وكل أحرار العالم الى التدخل لوقف المزيد من المجازر وإسقاط الغطاء عن ذلك الحكم العسكري كي لا تكون هناك سوريا جديدة في العالم العربي».
كما رفع معتصمو النهضة سقف التهديد والوعيد ردّاً على الحادثة، حيث أعلنت المنصة الرئيسية بالميدان حالة النفير العام، وتغيير اسم مصر لتصبح «جمهورية مصر الإسلامية»، وتحويل جامعة القاهرة إلى قصر رئاسي يحكم منه الرئيس المعزول بعد تحريره. وأشاروا إلى خريطة طريق للعصيان المدني من أجل تحرير مرسي من أيدي الحرس الجمهوري، والتصعيد بقطع طرق المترو والسكك الحديدية والإسكندرية الصحراوي، واقتحام مبنى ماسبيرو وقصر الاتحادية ومطار القاهرة.
وكان المئات من أهالي الضحايا قد تجمعوا أمام المشرحة، حيث جثامين أبنائهم، وسط حالة من الغضب، مرددين شعارات وهتافات مناوئة للجيش والفريق عبد الفتاح السيسي، إذ حملوه المسؤولية الكاملة عن قتل ذويهم. وانتابت حالة من البكاء والصراخ الأهالي، الذين اتشحوا بالسواد، مؤكدين أنهم سيقتصون لقتلاهم، وهو ما دفع الأمن إلى الانسحاب من المشهد كي لا تتفاقم الأمور.
وجاءت أول ردّة فعل على المجزرة من قبل «حزب النور» السلفي، الذي أعلن الانسحاب من مشاورات تشكيل الحكومة في مصر، احتجاجاً على مقتل المتظاهرين برصاص قوات الأمن. وقال متحدث «قررنا الانسحاب فوراً من كل مسارات التفاوض كرد فعل أولي على مذبحة الحرس الجمهوري». وأضاف «كنا نريد حقن الدماء، وهي الآن تهرق (تراق) أنهاراً».
كذلك أعلن الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور تشكيل لجنة تحقيق قضائية في الأحداث، معرباً عن «أسفه لوقوع ضحايا إثر محاولة اقتحام دار الحرس الجمهوري». وشدد على «حرمة الدم المصري من جميع الأطياف»، داعياً جميع المتظاهرين إلى «عدم الاقتراب من المراكز الحيوية والمنشآت العسكرية بالبلاد».
بدوره، أعلن رئيس مجلس الوزراء في حكومة مرسي، هشام قنديل، أنّه وضع استقالته تحت تصرف مرسي، منذ يوم 3 حزيران الجاري، وذلك عقب بيان القوات المسلحة إعمالاً لصالح البلاد، وأنه قرر تسيير الأعمال، ولكن بعد إراقة الدماء قرر تفعيل استقالته.
كذلك أدان حزب «مصر القوية» «قتل المتظاهرين أمام دار الحرس الجمهوري»، مُحمِّلاً القوات المسلحة المسؤولية في «عدم حفظ دماء المصريين، والتي تعهدت بحفظها»، معلنًا تعليق مشاوراته في ما يخص خريطة الطريق.
بدوره، أعلن شيخ الأزهر، أحمد الطيب، الاعتكاف في منزله حتى يتحمل كل فرد مسؤوليته لوقف نزف الدم المصري. ودعا الى ضرورة إجراء تحقيق عادل في الدماء التي سالت أمام دار الحرس الجمهوري، وإعلان نتائج التحقيق على جماهير الشعب المصري، وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية خلال يومين على الأقل، وألا تزيد الفترة الانتقالية عن ستة أشهر.
أما البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، فألغى عظته الأسبوعية بسبب الظروف الراهنة التي تمرّ بها مصر. وطالب بأن يخصص وقت المحاضرة للصلاة من أجل مصر وسلامها.
من جهة ثانية، استنكرت حملة «تمرد»، الأحداث المؤسفة التي وقعت أمام دار الحرس الجمهوري، «بعد محاولة البعض الهجوم لاقتحام الدار لتحرير مرسي، وقيام ضباط القوات المسلحة وجنودها بصد الهجوم».
وطالبت بتشكيل لجنة مستقلة من الحقوقيين والقانونيين. ودعت أنصار الرئيس المعزول للعودة إلى حضن الوطن، وعدم جر البلاد إلى صراع دموي، وإعلان تخليها عن كل الداعين إلى حرق مصر أو الى التدخل الأجنبي في البلاد.
ومع انتصاف الليل، اصدر الرئيس عدلي منصور إعلاناً دستورياً مؤلفاً من 33 مادة، يعطيه سلطة إصدار قوانين بعد التشاور مع الحكومة الجديدة.
وأكّد الإعلان أن التعديلات الدستورية يجب أن تستكمل وتطرح في استفتاء خلال أربعة أشهر ونصف الشهر، وأن تجرى الانتخابات البرلمانية خلال فترة لا تزيد على شهرين، على أن يتم الدعوة إلى اجراء انتخابات رئاسية جديدة خلال أسبوع من انعقاد البرلمان الجديد.
وكانت «المصري اليوم» قد نقلت عن مصادر مطلعة قولها إنه سيتم اختيار الدكتور سمير رضوان، وزير المال الأسبق، رئيساً للوزراء، بعد اعتذار الدكتور زياد بهاء الدين، رئيس هيئة الرقابة المالية السابق، الذي كان أقوى المرشحين. وجاء اختيار «رضوان» بتوافق بين القوى السياسية.