حمص | أول ما يلفت نظرك من معالم الحيّّ المتغيرة، جدار إضافي يفصل منازل بابا عمرو عن الطريق العام. لم يكن هو الجدار الأول، حيث فُصل الحيّ سابقاً عن «الإنشاءات» بهدف عزله عن محيطه الذي قد يوفّر لمسلحيه خطّ إمداد كافٍ لاستمرار انتفاضته. قسم من أهل الحي قد عادوا. تراهم على شرفاتهم، وتمضي لحظاتك وأنت ترقب مشهد النساء الجالسات على شرفات ما زالت قائمة، فيما تظهر جلياً الطبقات العليا أو السفلى وقد امّحى أثر شرفاتها. تتحكم حواجز الجيش السوري في ضبط الدخول والخروج بفضل الجدار العازل. ولا يمكن أن تمنع نفسك من التساؤل: «إلى أي مدى يُجدي جدار إسمنتي في منع مسلّحين يحملون كافة أنواع الأسلحة، أمضوا أكثر من سنة يقلقون راحة الجيش السوري، كما تقلقها الآن الاشتباكات على مشارف جامع خالد بن الوليد في الخالدية، حيث غرفة العمليات العصيّة». وحدهم الأهالي سيضطرون إلى الالتفاف من أجل الوصول إلى نهاية السور بهدف الخروج من الحي عبر الحاجز. الحيّ الحبيس داخل السور يوحي بإرادة الدولة في ألّا تخسره من جديد. لا تعرف الدول العواطف، ولا تتعامل وفق الأحاسيس، إنما المصلحة العسكرية ببقاء الحيّ على ما هو عليه تجنّبها خسارات جديدة. ولهذا كان لا بدّ من بناء السور. ولعلّ السور يبقى للتاريخ، أثراً من الآثار الشاهدة على معاناة ما بعد معارك بابا عمرو الشهيرة. نكسة الجيش السوري في المنطقة لا تزال تحفر في داخل العناصر عميقاً. أمرٌ تعبّر عنه بوضوح الأعداد الكبيرة للعسكريين الموجودين في الحي، فلا نيّة لديهم لأن يعود المسلحون من جديد، ولو كانت العودة خاطفة كما جرى سابقاً، إنما إلحاق بعض الخسائر بصفوف الجنود، ثم الهرب إلى حي الوعر، كان لهما أثره السيئ في النفوس. إرادة الحياة وسط كل هذا الخراب تبدو غريبة، إذ يمكنك أن ترى أماً تجر عربة لطفلها ويتبعها أبناؤها الآخرون بوداعة ظاهرة، فيما سترى جلياً أطفال الحيّ يتسابقون على دراجاتهم. علامات الشغب على وجوههم كسائر الأطفال، إنما يضاف إليها آثار تعب وقسوة. لعلّها من مخلفات الحرب التي كانوا شهوداً على بشاعتها رغماً عنهم. مجد، طفل التجأ، مع بداية أحداث حيّه، برفقة عائلته إلى حي عكرمة «الموالي». لم تقصد العائلة اتباع أسلوب النأي بالنفس أو الهرب، لكنها ارتأت أن الحرب مقبلة على كل شيء، وأنهم لا يمتلكون أدوات الاستمرار في خضمّها. ولم يحلم أفراد العائلة بهذه العودة الأخيرة إلى حيهم القديم، بل ظنوا مثلما ظنّ كثيرون أن بابا عمرو لن تعود إلى سيطرة الدولة في الوقت المنظور. يجيب مجد عن السؤال عن عدد أفراد عائلته: «عشرة». يفتح الصغير عينيه بابتسامة تعي أن ما يقوله كثيرٌ. ويحكي أحاديث الكبار والإعلام الرسمي عن دخول الغرباء إلى حيّه، ودخول الجيش لإعادة الحياة إلى الحي والمدينة ككل. لا براءة في حديث الصبيّ، فهو يستخدم كلّ المفردات الملقّنة، التي لا يعرف معظم معانيها. كما لا حقيقة يمكن أن تسمعها من الناس الذين سئموا كثرة الحديث عن معاناتهم في مدينة حمص. مؤسسة بابا عمرو الاستهلاكية، التي كانت مقر عمليات الجيش الحُر، تشهد على العنف الأشد الذي تعرض له المكان. الخروج من الحي باتجاه الإنشاءات، تعني المضي عكس خط السير الذي عبره مسلحو المعارضة لدخول بابا عمرو. طريق الخروج يعطي مشاهد أقسى للخراب، فالبيوت في الطريق بين الحي و«جورة العرايس»، ليست مدمرة فقط، بل مجرد أحجار مكوّمة في مشهد دمار بغيض. لا أثر لحياة كانت هُنا يوماً، إذ لا يخرق الوحشة في المكان إلا غياب الشمس التي اتحد ضوؤها مع الأنقاض في تناقض مُربِك. تقف شجرة برتقال مثمرة بديعة الألوان، منفردة في منتصف مساحة شاسعة من الدمار. لا الشجرة تبوح بما مرّ حولها من اقتتال وضحايا، ولا إجابة يمكن توقعها عن سرّ بقائها، من بين كلّ ما حولها، على قيد الحياة. ومن الجيّد أن الأشجار لا تتكلم ولا تعرف المعارضة والموالاة أو الطوائف، كي لا تأتي الأحداث السورية على سؤال شجرة، أيضاً، عن سبب كونها الناجية الوحيدة في منطقة ممسوحة بالكامل. مشهد الشجرة الذي يوحي بإرادة الحياة رغم الموت المخيّم على كل شيء، لا يترك مجالاً للتفكير بمن زرعها ومصيره الآن؛ فسكان الحيّ الغائبون مجرّد أرقام في سجلات الحرب السورية، كسائر أبرياء سوريا، إنما ذنبهم، بعرف الموالين، أنهم احتضنوا المسلحين وقدموا لهم الدعم اللازم. اتهام ينكره أحد أبرز العسكريين المشرفين على عمليات بابا عمرو سابقاً، حيث يؤكد لـ«الأخبار» أن الكثير من النساء والرجال المدنيين كانوا يساعدون الجيش بتقديم الإحداثيات والتبليغ عن تجمعات المسلحين في الحي. ولبعضهم، بحسب الضابط السوري، أيادٍ بيضاء في استعادة المنطقة عسكرياً. لملعب الباسل في بابا عمرو رحلته مع العنف الدائر في المدينة. صورة باسل الأسد، الشقيق الراحل للرئيس السوري، مشوّهة على باب الملعب تروي رحلة انتقام الثورة من الأرواح وصور الأموات. روائح كريهة تأتي مع نسمات الغروب الصيفية، لا يمكن معرفة كنهها، إنما يمكن عدم الذهاب بعيداً في توقع مصدرها، بأن تسأل من يعزو ذلك إلى مشاكل الصرف الصحي في بعض الحارات المهجورة داخلها.

الوصول إلى حيّ جورة العرايس يعطي انطباعاً بالمزيد من التناقضات. هُنا تتوضع الكثير من المباني الفخمة التي لم يمسسها أي أذى. مدنيون يبتسمون. لا مشكلة لديهم في التقاط الصور. جيران يتبادلون السلام بودّ أمام أحد المباني، وكأنّ حي بابا عمرو ليس الحيّ المتاخم. إحدى النساء المحجبات تجيب عن هذه النقطة بالقول: «لم يتمترس المسلحون في الحيّ، ولم يشهد معارك». وتتابع قائلة إن الجيش السوري لم يضطر إلى دخول المنطقة لأنها لم تشهد عمليات ضده أو إخفاء مسلحين. هذا ما يؤكده عدد من السكان أيضاً. أما في حيّ الإنشاءات الذي عبره المسلحون إلى بابا عمرو، وشهد بعض الاشتباكات، فتبدو الحياة فيه طبيعية تماماً. لكن ليس عليك تجاهل نصائح الموجودين معك خلال جولتك بضرورة الانتباه من حوادث الخطف المتفرقة داخل المنطقة. مشهد الأطفال يلعبون داخل حديقة عامة وسط الحي لا يوحي بالخطر المحدق في غفلة ما. طفلة ودودة اسمها يسر، تجيب عن بعض الأسئلة بعفوية: «ما زلنا نسمع أصوات الرصاص ليلاً. والأمن يقبض على بعض الشبان الذين يحملون سلاحاً». أهم ما في الموقف بالنسبة إلى الأطفال من سيربح في لعبة كرة القدم، حيث النسيان هو الرفيق الأقرب إلى أعماق الطفولة. نساء على الشرفات العالية يراقبن أطفالهن، دون أن يغفلن عن تثبيت حجاباتهن البيضاء. لا شكّ، اختلفت حمص اليوم، كثيراً، وخسر أهلها روح الفكاهة التي لطالما تمتعوا بها، بينما حلّت مكانها قسوة الملامح وحدّة النظرات والقلق الدائم. الشكّ يرافق الحمصيين تجاه أيّ كان، بدءاً بجيران العمر وليس انتهاءً بهم. المؤيدون باتوا يخشون عمليات خطف بعضهم لبعض، كما المناطق المعارضة. فيما الأخبار الآتية من المناطق التي يسيطر عليها مسلحو جبهة النصرة تبقى خارج دائرة الحقيقة؛ إذ يتناقل سكان أحياء حمص المؤيدة شائعات عن أسلوب حياة أهالي تلك المناطق، ومعاناة بعضهم جرّاء الحصار المفروض عليهم. يكتفون بمثل هذه الأخبار، دون أدنى محاولة تعاطف مع ظروف الآخرين. فيما القلق يكسو الملامح عند الحديث عمّا يجري قريباً في الخالدية حيث المعارك تحتدم، وتستخدم فيها معظم أنواع الأسلحة من الطرفين. في معركة تعتبرها المعارضة المسلحة معركة وجود. أما قيادة الجيش السوري، فهي ترى أن أوان جعلها منطقة مستحقة في يد الدولة قد آن، أسوةً ببسط السيطرة على بابا عمرو من قبل.